أحلامٌ مصلوبة على خشبة غياب الدولة

13 كانون الأول 2019 09:22:43

آلمني مشهد بضع عشرات من الشباب يهتفون على باب الشارع الموصل إلى منزل وليد جنبلاط في كليمنصو، كلن يعني كلن.

إسم علِّم، بل نار على علم إسم وليد جنبلاط في النظام اللبناني، وطبيعي أن يكون له الكثير من المحبين ومن الكارهين، وبديهي أن يتحمل جزءاً من تداعيات هذا الدمار العظيم الناتج عن زلزال انهيار الوطن على رؤوس الجميع. 

كارهو وليد جنبلاط يرون فيه بما يمثّل من قوة سياسية وجماهيرية، حالةً يصعب اختراقها وتطويعها، ويقرنون ذلك بما يتخيلون له من حجم مالي كبير.

يوجعني ألم وليد جنبلاط، المصلوبة أحلامه على صليب واقعه. 

مثال وليد جنبلاط ليس في بقية السياسيين الذين راكموا في سنوات لا يزيد أقصاها عن جيل واحد، ثروات بالمليارات على حساب شعبهم ونتيجة مشاركتهم في السلطة منذ الطائف وحتى اليوم. فآل جنبلاط تاريخيا، وواقعيا، من اكبر الملاكين، هذا صحيح، ولكن ريع أملاكهم وإنتاجها لطالما كان في خدمة الناس. 

أنا ابن قرية متواضعة في الشوف، تملّك فيها المرحوم كمال جنبلاط مزرعة مساحتها عشرات ألوف الأمتار، صالحة للزراعة، كان يزرعها ويتعاملها بعض أبناء البلدة، بالحصة تعاقدًا، ويستفيدون فعليًا من أغلب ما تنتجه، برضى وموافقة مالكها، دون مسك حسابات، بل وفي غالب الأحيان، كان المالك يدفع أكلافها دون الاستفادة من إنتاجها.

ورث وليد جنبلاط هذه الاراضي، فما كان منه إلا أن وهب واجهتها التي أصبحت ذات قيمة بعد شق الطرقات، الى أهالي البلدة دون مقابل، فأقاموا عليها مشروع دار البلدة للمناسبات، ومشروعاً إسكانياً لذوي الدخل المحدود. دار البلدة أنجز وبتمويل جزئي عيني ونقدي من جنبلاط أيضا ومن نواب كتلته في الشوف، والمشروع الثاني على طريق الإنجاز.

أليست هذه الأملاك، وبفعل مالكها، وكأنها أوقاف تسخر لمصلحة الناس الفقراء والمحتاجين.

مئات القرى في كل المناطق وخصوصا في المناطق التي تقع ضمن نطاق دوائر ترشيح نواب كتلة اللقاء الديمقراطي، أقامت بيوت القرى، ودور العبادة من مجالس وكنائس وجوامع، وباحات تابعة لدور العبادة، إما على أملاك آل جنبلاط، او على املاك مشتراة بمال آل جنبلاط، وإما بأموال تبرع بها آل جنبلاط أو بجزء وافر منها.

كل أهالي وفعاليات ورجال دين كل الطوائف، شهود على ذلك بزيارات الشكر، وببيانات العرفان بالجميل، التي لم يطلبها آل جنبلاط يوما، ولكن الجميع أصروا على جعلها عادة تراثية.

أملاك آل جنبلاط، وقفها مالكوها فعليا لمصلحة مجتمعهم، وإن بقيت باسمهم في الأوراق الرسمية. 

مصلوبة أحلام آل جنبلاط على صليب واقعهم، لا يستطيعون التنكر لتاريخهم، بما يوجبه عليهم من واجبات تجاه اهلهم وناسهم، وهم من مختلف الطوائف والمناطق، ومع ذلك يحافظون على حلم كمال جنبلاط في العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، والدولة المدنية، العادلة الكافية للمواطنين دون حاجة، لخدمة من هنا ووظيفة من هناك ، ومساعدة على الطبابة من هنالك. 

وليد جنبلاط، الذي زارت مدخل بيته قافلة كلن يعني كلن، لديه مصالح وشركات، ولكنها ليست من أموال الدولة المنهوبة. 

وليد جنبلاط، لمن لا يعلم كان يملك معمل سبلين، فصار من أصغر المساهمين فيه بنسبة لا تزيد عن عشرين بالمئة، ولا زال كارهوه ، يعتبرونه إمبراطور الترابة.

ويملك نسبًا لا تزيد عن 10 بالمئة من شركتين او ثلاثة تستورد سلعاً أساسية ربما، ولكنه غير متعاقد مع الدولة او مشغلًا لمصالحها أو منفذًا لمشاريعها، وليس في ماله، الذي يسخّر أغلبه لمصلحة الناس، قرش من مال الدولة المنهوب. 

بين واقع آل جنبلاط، وحلم كمال جنبلاط، فجوة واحدة هي عدم وجود الدولة الحقيقية، التي لو تستطيع الثورة أن تستولدها، لانتفت الحاجة الى واقع آل جنبلاط، ولتتحقق حلم كمال جنبلاط، ولنزل وليد جنبلاط عن صليبه، لينصرف غير آسف على تجربته القسرية في السلطة، لمداواة جراح آثار المسامير التي خلّفها الصلب في جسده وجسد عائلته التي يُثقل واقعها عدم وجود الدولة.