قمة ترميم الخلافات

كادت التصريحات والتصريحات المضادة التي اشتعلت بين أبرز قادة حلف الناتو، أن تُهدد مستقبل الحلف، لكن قمة لندن التي جمعت قادة الحلف في 3 -12-2019 لمناسبة مرور 70 عاماً على تأسيسه أنقذته من الانحلال، بل إنها نجحت في إطلاق اندفاعة جديدة في مسيرته، ورسمت ملامح مرحلة مختلفة في حياة الحلف تعتمد على المرونة في التعاطي بين أعضائه ال 29، وتعويض تراجع الميزانية الناتجة عن تقليص المساهمة الأمريكية عن طريق فرض معادلة جديدة تعتمد على رفع نسبة الاشتراكات المالية إلى 2% من الدخل القومي لكل من الدول الأعضاء.

كاد تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن «الموت السريري» للحلف قبل أسبوعين من انعقاده، أن يُطيح بما تبقى من تماسك بين أعضائه، لكن الأمين العام للحلف ينس شتولينبرج نجح في انتزاع توضيح من الرئيس ماكرون، يعتبر فيه أن تصريحه جاء في سياق الحرص على استمرار الاتحاد وتحفيز الدول المشاركة على تفعيله. كما نجح شتولينبرج في تنظيم لقاءات ثنائية بين ماكرون وكل من الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والتركي رجب طيب أردوغان اللذين ردا بعنف على تصريحات ماكرون.

من المؤكد أن قمة لندن الأطلسية أعادت تجديد الرؤى التي وضعتها قمة لشبونة التي انعقدت عام 2010، والتي حضرها ضيفاً الرئيس الروسي في حينها ديميتري مدفيديف، بحيث أنها كررت التأكيد على الحوار مع روسيا، كما دعت إلى إشراك الصين في الاتفاقات الدولية التي تحدّ من انتشار الأسلحة الإستراتيجية، بما فيها الأسلحة النووية والجرثومية والكيميائية الفتاكة.

لكن القمة أعادت التأكيد أيضاً على الالتزام بسياسة الردع والدفاع القويين، بما في ذلك حماية منطقة البلطيق وبولونيا بواسطة الدرع الصاروخية المتطورة، في ردٍ واضح على موقف أردوغان الذي عارض هذه الخطة. كما أكدت القمة التضامن والوحدة بين مكونات الحلف، بصرف النظر عن بعض الخلافات التجارية المتفرقة التي تحصل بين بعض الدول الأعضاء، وآخرها امتعاض كندا من فرض الولايات المتحدة الأمريكية رسوماً جديدة على صادراتها من الصلب والألمنيوم، كما في بعض الخلافات التجارية بين هذه الأخيرة والاتحاد الأوروبي أيضاً.

مغادرة الرئيس ترامب المفاجئة للندن بعد أن ألغى مؤتمره الصحفي؛ حمل أكثر من تفسير، لكن المعلومات التي تمَّ تجميعها من أروقة القمة أكدت أن المغادرة كانت بسبب امتعاضه من مزحة مصورة وصلت إليه، وتبيِّن أن رئيس وزراء كندا جاستن ترودو تناوله ببعض السخرية، وهو لا يريد مقابلته من جديد، ولم يتراجع ترامب عن أي من القرارات التي اتفق عليها المجتمعون، وهو ملتزم بتفعيل دور الحلف بالكامل، ومن دون أي تردد، وتصريحاته السابقة عن الحلف كونه من مخلفات الحرب الباردة أصبحت من الماضي.

المسار الإيجابي الذي سلكته قمة الذكرى السبعين للحلف؛ لا يعني أن الخلافات الجهوية قد انتهت بين بعض الدول الأعضاء حول قضايا إقليمية ساخنة. فالدخول العسكري التركي إلى شمال سوريا مازال مثار خلاف بين الأوروبيين الذين يعارضون هذه الخطوة وبين تركيا، خصوصاً أن فرنسا وبريطانيا يعتبران الخطوة التركية المنسقة مع روسيا تضرب الثوابت التي يعتمدها الحلف تجاه استقلال سوريا ووحدة أراضيها. كما أن الانسحاب الأمريكي من بعض المواقع في شمال شرق سوريا؛ لم يحدث بتنسيق مع دول الحلف، وهو قد يشجع على استعادة النشاط الإرهابي، وربما يساهم في تقويض العملية السلمية التي تهدف إلى إجراء تعديلات جوهرية على الدستور السوري.

رغم ترميم الخلافات الواسعة التي حصلت بين أعضاء بارزين من الحلف، لكن من الواضح أن الاعتبارات التي يعتمدها الرئيس ترامب في سياسته الخارجية لا تلقى ترحيباً واسعاً عند شركائه الأوروبيين، وهؤلاء يلومون ترامب على تشجيعه للتشدّد عند بعض القادة تجاه الملفات الدولية الحساسة التي تهدد أمن دول الحلف، وترامب كان قد التقى عدة مرات مع الرئيس الكوري الشمالي كم جونج وان، من دون تحقيق أي تقدم في معالجة التهديدات النووية. وفي ذات السياق يلومونه على تعاونه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بينما الأخير لم يُقدِّم أي تنازلات تتعلَّق بضمان الأمن الإستراتيجي في أوروبا، بل أن بوتين أعلن عن انتهاء العمل بمعاهدة العام 1978 للحد من انتشار الصواريخ النووية المتوسطة المدى والتي تصيب الأمن الأوروبي في الصميم.