إيران المتعثرة وخياراتها الصعبة

07 كانون الأول 2019 19:59:54

تتوسع حالة التعثر الإيرانية داخليا. ما بعد انتفاضة الوقود ليس كما قبلها، حتى لو نحج النظام، عبر التصدي المميت، بإخمادها مرحليا، إلا أنها تركت ندوبا دامية في جسد النظام من الصعب أن يُشفى منها في المدى المنظور والمتوسط، خصوصا أن سياسات النظام تساهم بتفاقم الأزمة سياسيا واقتصاديا.

معالجة الأزمة ـ ربما الأزمات ـ لم تعد ممكنة من دون عملية قيصرية، لا يمتلك النظام المؤهلات اللازمة لإجرائها. مع الإشارة، إلى أن هذه العملية، لا بد وأن لها عوارض جانبية ستؤثر حكما على بنيانه وربما لا يخرج منها على قيد الحياة، خصوصا أنه يواجه انتفاضة أفقية لأول مرة منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية سنة 1979.

فالمدن الإيرانية التي توصف طبيعتها بالصامتة نتيجة لثقافة تاريخية يفسرها الفلاسفة وعلماء الاجتماع بأنها انعكاس للطبيعة الباطنية التي يمارسها سكان الهضبة الإيرانية منذ عشرات العقود.

المفاجأة في هذه المرحلة، أن هذه المجتمعات، التي تتشكل منها الدولة الإيرانية، تخلت عن صمتها أو سكوتها وهي تعبر بوضح عن مواقفها دون تردد أو حذر من حجم العواقب التي قد تتعرض لها من نظام يمارس الاستبداد الديني، ما يفتح الاحتمال أن تكون المواجهة المقبلة أكثر جذرية وأشبه بزلزال سياسي متأثر بالطبيعة الجيولوجية لإيران، التي تقع على فالق زلزالي مدمر سيتسبب بإخراج ما في باطن المدن الإيرانية إلى الأعلى، ما قد يغير شكلها اجتماعيا وسياسيا.

فرضت الأحداث الأخيرة على النظام أيضا الخروج عن طبيعته التقليدية، وانتقل إلى مرحلة الوضوح الكاملة في تعاطيه مع أزماته المتعددة والمتراكمة. فلم يتردد في القيام بعملية فرز اجتماعية بين مكوناته، وقسّم الشارع الإيراني بين مؤيدين ومعارضين له.

المؤيدون أو الولائيون، هم عمليا أقلية مستفيدة من السياسة الريعية التي يمارسها النظام لصالح أتباعه ومن يدورون في فلك مؤسساته الثورية. يصفهم النظام بالمستضعفين الذين يوالون الحكومة الإسلامية وليس جيوش الفقراء والمحتاجين، وهذا ما يفسره الكاتب الإيراني المعارض أمير طاهري في مقال له تحت عنوان "ملالي طهران والمقامرة الخاسرة" بقوله "عندما يتعلق الأمر بالشؤون الدنيوية، فإن نظام الحكم الإسلامي غير معني بمساعدة الفقراء والضعفاء من أبناء الشعب، وإنما بحماية الأمن والازدهار لأولئك الذين يحظون ويتمتعون بهذه النعم".

أما المعارضون فمن الواضح أنهم يشكلون الأغلبية التي خيّرها النظام بأن حياتهم الكريمة مرتبطة بولائهم لحكومة الجمهورية الإسلامية، وهم باعتراف الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني يشكلون أكثر من 70 في المئة من الشعب الإيراني.

بين أقلية موالية وأغلبية معارضة، لم يعد ممكنا للنظام التستر على عيوبه. فهو يمر في مرحلة انفصال عن الواقع أشبه بحالة إنكار لما يجري إن استمرت الأوضاع الاقتصادية السيئة. ولا مناص للنظام من ترداد سرديته والاستمرار في اتهام الخارج وخصوصا الولايات المتحدة بالتسبب بالأزمة الاقتصادية جرّاء عقوبات غير مسبوقة تتعرض لها طهران، حسب ما جاء على لسان الرئيس روحاني عندما اتهم واشنطن بمحاولة تركيع بلاده، لافتا إلى أن السبيل الوحيد أمام الحكومة هو تقليص الآثار السلبية للعقوبات الأميركية.

موقف روحاني في التهرب من المسؤولية يُكمل موقف المرشد علي خامنئي بأن المتضرر من العقوبات هو الشعب وليس النظام، القادر ـ برأيه ـ حتى الآن على المواجهة وعلى حماية بيئته الولائية التي أبدت استعدادا كاملا للدفاع عنه، وضرب المعارضة السياسية المطالبة بتطوير الحياة السياسية والشارع المطالب بتوزيع عادل للثروة ووقف هدرها على مشاريع خارجية.

هذا الطلاق بين النظام وأغلبية الإيرانيين كتبت عنه صحيفة نيويورك تايمز "إن الثورة الأخيرة كشفت عن مستويات مذهلة من الإحباط من قادة إيران، إن الرد الصارم من قبل السلطات الإيرانية على الاحتجاجات كشف عن وجود خلاف حاد بين قادة إيران والشعب الإيراني البالغ عددهم 83 مليون نسمة، لقد وجَّه العديد من الإيرانيين الذين يشعرون بالمرارة عداءهم مباشرة إلى المرشد علي خامنئي، الذي بدوره وصف القمع بأنه رد فعل مبرر على مؤامرة أعداء إيران في الداخل والخارج".

علميا حتى الآن لم تستطع التكنولوجيا المتطورة من القيام برصد مبكر لحركة الزلازل والتحذير من حدوثها للمساعدة على التقليل من أضرارها، كما أن النظام الإيراني، وعلى الرغم من الاستنفار الأمني والعقائدي، لا يملك القدرة على توقع الزلزال الاجتماعي المقبل.

النظام يعتمد فقط على قرار القمع، الذي أثبت فشله بعد تجربته من قبل كل الأنظمة القمعية في المنطقة التي راهنت على القوة فقط، لذلك هو الآن في مواجهة خياراته القليلة والضيقة، فإما التراجع أمام مطالب المحتجين وهي خسارة لهيبته داخليا وانكسار لمشروعه خارجيا، أو الاستمرار بالعنف. بات النظام أمام حليّن أحلاهما مُرّ خصوصا أن كأس السم الذي قد يتجرعه في الداخل سيختلف عن الخارج فهو الآن ما بين خسارة النفوذ أو خسارة الوجود.