العودة إلى الوطن

عزيز المتني |

السادس من كانون الأول سنة 1917، كان مولد كمال جنبلاط، والعام الذي أعطى فيه رئيس حكومة بريطانيا العظمى، اللورد بلفور، وعده المشؤوم للصهيونية العالمية، ممثلةً باللورد روتشيلد، بإنشاء وطنٍ للشعب اليهودي على أرض فلسطين، وطن الأديان والمقدسات.

لذا طُبعت حياة كمال جنبلاط بدفاعه المستنير عن قضية الشعب الفلسطيني، وعن حقّه في استعادة ما سُلب منه بالقوة، أو بقراراتٍ دولية جائرة وغير عادلة.

يوم صدر قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين، أذاع "المعلّم" بياناً قال فيه: "ليس في ميثاق الأمم المتحدة ما يجيز سلب أرضٍ من شعب، ومنحها لشعب آخر". ولو عاش لأيامنا لصرخ في وجه ترامب وإدارة حكمه: ليس من حقّ أحد في العالم سلب القدس، مدينة الله وعاصمة السلام، ومعراج النبي، وأولى القبلتين عند المسلمين. مدينة المسيح حيث صُلب وقُبِر وانتصر على الموت، ومنْحِها للصهيونية العالمية عاصمةً أبدية لدولة إسرائيل. وليس من حقّ أحد مهما علت رتبته ومقامه، أن يحلّل استيطان الأراضي العربية في الضفة الغربية، أي سرقة ما تبقى من أراضي الشعب الفلسطيني، وإهدائها للصهيونية العالمية ممثلةً بدولة إسرائيل المغتصِبة أراضي وحقوق شعب فلسطين التاريخية المشروعة.

أما في لبنان، فنعود مع كمال جنبلاط إلى الوطن الواحد الجامع: مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. نبني الوطن بشرعة الحق، والعدل، والمساواة، والحرية. شرعة: "المواطن الحر، والشعب السعيد"، والتي أعلنها في ميثاق الحزب  التقدمي الاشتراكي في الأول من  أيار سنة 1949، وعملَ لأجلها وناضل طوال سنين عمره على هذه الفانية.

"لا يُبنى وطنٌ على حافتَي جسر"، كتبَ وقال. وكان همّه أن يكون في تعاليمه وفكره ونضاله، وأن يكون حزبه "العبّارة" التي تصل بين حافتَي الجسر، فتجعل من لبنان وطناً واحداً موحداً لجميع أبنائه.

وللّذين تحدثوا هذه الأيام عن حكم الأكثرية النيابية نقول لهم: أنتم تتجاهلون التاريخ وتجهلونه. في سنة 1952، قاد كمال جنبلاط، والحزب التقدمي الاشتراكي، المعارضة الشعبية البنّاءة من خلال "الجبهة الاشتراكية الوطنية" التي أسّسها، وتمكّن مع سبعة نواب من زملائه من تحقيق الانقلاب الأبيض، وإرغام رئيس الجمهورية على تقديم استقالته بفضل التأييد الشعبي العارم، والتفاف فئات الشعب اللبناني حول المبادىء والقيم الإصلاحية والتغييرية التي جسّدها ومثّلها خير تجسيد. وكان تعداد المجلس النيابي يومها 77 نائباَ.

وفي عهد الرئيس فؤاد شهاب، لعب كمال جنبلاط دوراً محورياً وأساسياً في إعادة بناء الدولة ومؤسّساتها، وإعادة بناء الجمهورية الثانية، كما تمّ الاصطلاح على تسميتها.

وعُيِّن كمال جنبلاط - في مرسوم تشكيل حكومتين متتاليتين سنة 1961 وسنة 1962، بالإضافة الى الحقيبة الوزارية التي أسندت إليه: الداخلية  في الأولى، والاشغال العامة والنقل في الثانية - الوزير المشرف على وضع توصيات بعثة "إيرفد" للإنماء موضع التطبيق والتنفيذ.

وكان الرئيس شهاب قد استقدم بعثة "إيرفد" للإنماء الفرنسية التي يرأسها ويديرها راهبٌ يسوعي اسمه الأب جوزف لوبريه، وكلّفها إجراء مسح اقتصادي واجتماعي شامل للبنان.
ووضعت البعثة ثلاثة مجلدات ضخمة ضمّنتها نتيجة المسح، وملخصها: أن أربعة في المئة من الشعب اللبناني هم الذين يمتلكون، ويحتكرون، الاستيراد والتجارة والمصارف والأراضي... وأن ستين في المئة من الشعب اللبناني يعيشون برواتب محدودة لا تكفيهم ليعيشوا العيش الحر الكريم، وأن 36  في المئة من هذا الشعب يعيشون على حدود الفقر، وأن 61 بالمئة من الشعب  اللبناني هم ما بين سن الثامنة عشر والواحد والعشرين.

لكن الاب لوبريه ختم تقريره المستفيض بهذه العبارة: "إن ما ينقص لبنان، قبل الماء والطرقات والكهرباء، مجموعات من الأشخاص يعملون  للمصلحة العامة ويؤمنون بها... واذا لم يحدث تحوّل في الذهنيات لدى النُخب الشابة، فإن النمو يبقى هشاً... ولن يستطيع لبنان أن يُنجز مهمته في الوحدة الداخلية...".

هذا كان هاجس لوبريه، كما كان هاجس كمال جنبلاط. وقُدّر لي أن أحضر أجزاءً من اللقاء الأسبوعي الذي كان يُعقد في منزل "المعلّم". كان الخطر الذي يخشاه الرجلان ويحذّران منه هو الطائفية، والنعرات الطائفية، والغرائز التي تُستعمل لمنع فئات هذا الشعب الطيّب المناضل من التلاقي. فالطائفية كانت حتى الساعة أخطر مؤامرة على القضية اللبنانية التي هي في جوهرها بقاء لبنان وطنَ الرسالة، أو الوطن – الرسالة.

ورسالة لبنان الحق هي أن يبقى الوطن الجامع لأبنائه حول قيَم الحق، والعدل، والحرية، والمساواة، لا أن يتحول إلى مظاهر المحاصصات، وتوازناتٍ هي أقرب إلى توازنات الرعب، والفرض، والترهيب، والتهديد، بدل أن تكون، أو يكون،، ما يجمع اللبنانيين هو فعل الثقة، ثقةً بوفاء الغير وثقةً بوفاء الذات، والانفتاح على الآخر... والطائفية تتغذى من الأحادية، والانغلاق، والتعصّب والاغتصاب.

ولكم كتب كمال جنبلاط، وحذّر، وقال: "نقود هذا الوطن والمرارة في نفوسنا، لأننا نوشك أن نرى هذا الوطن ذاته يتحول إلى اتحادٍ فدرالي للطوائف، ولا يعود وطناً لأحد على الاطلاق".

وحيال ما شهدنا ونشهده منذ السابع عشر من تشرين الأول، وحتى تاريخه، من تظاهرات شعبية اُطلق عليها: "الحراك الشعبي"، والانتفاضة، و"الثورة"، فقد بات من حقّنا أن نسأل ونتساءل: هل هي بداية، أو تحقّق، لهذا التحوّل الذي دعا إليه وانتظره كمال جنبلاط والأب لوبريه من تحوّلٍ في الذهنيات لدى النُخب الشابة بالعمل للمصلحة العامة؛ وهل أن لبنان يسير قدماً في تحقيق وإنجاز مهمته في الوحدة الداخلية، وفي التغيير الذي هو سنة الحياة، ومنطق التاريخ، وأمل الشعوب؟؟؟

إن ما رافق المرحلة السابقة منذ أن قدّم رئيس الحكومة، سعد الحريري، استقالة الحكومة من مخالفاتٍ دستورية فادحة قام بها رئيس الدولة الذي أقسم يمين الحفاظ على الدستور، والمؤتمن على حسن تنفيذ مضامين الدستور والعمل بها، يستدعي وقفة تأمل، ومساءلة، وتساؤل.

إن الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف الشخص الذي تسمّيه الاستشارات تأليف الحكومة كان يجب أن تحصل منذ الأسبوع الأول للاستقالة. وهي تعني أن مجلس النواب هو من ينتخب رئيس الحكومة المكلّف، وأن رئيس الحكومة المكلّف، والذي سمّاه الدستور رئيساً لمجلس الوزراء، هو الذي يقوم بمهمة تشكيل الحكومة بعد مشاورات غير ملزمة مع النواب والكتل النيابية، ومشاوراتٍ غير ملزمة مع رئيس الجمهورية. فنحن نعيش في ظل نظامٍ جمهوري برلماني ديمقراطي: رئيس الجمهورية يلي الأحكام ولا يحكم. والدستور أناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء مجتمعاً، وسمّى رئيس الحكومة رئيساً لمجلس الوزراء. إذاً رئيس الحكومة هو رئيس السلطة الإجرائية، وهو الذي يمثّلها وينطق باسمها.

أما التوافق فهو يتعلّق بالقضايا الأساسية التي تقود إلى سياسة الدولة العليا وأهمّها، وأبرزها: قرار الحرب والسلم الذي  يجب أن يكون في عهدة الدولة أولاً وأخيراً. وقرار حمل السلاح، والتصرّف بالسلاح، الذي يجب أن يكون في عهدة وأمرة الدولة والمؤسّسات الشرعية الثابتة، وأولها الجيش والقوى الأمنية على تنوّعها.

لقد آن الآوان للعودة إلى نصّ الدستور وإلى روحه. فمن حقّ اللبنانيين أن يكونوا مواطنين في دولة يرعاها القانون، والقانون وحده.

وآن الآوان لأن يكون اللبنانيون مواطنين في دولةٍ تكفل لشعبها الحريات الأساسية وترعى تحقيق العدالة الاجتماعية، والضمانات الأساسية، والمساواة في الحقوق والواجبات كافة.
وآن لشعبنا أن يرى قانوناً للانتخابات يُبنى على الأسس الدستورية والمنطلقات العصرية المعمول بها في دول العالم المتحضّر.

الدستور نصّ على أن كل قانونٍ للانتخابات النيابية يجب أن يُبنى على منطلقات تحصين الانصهار الوطني. والقانون الذي وضعوه هو قانونٌ غير دستوري، غير وطني، وغير قانوني، وقد أدّى إلى تسعير المذهبية، والطائفية، وسيادة فوضى هستيريا الغرائز، وتزوير التاريخ على حساب العقل والمنطق والأخلاق التي دعا كمال جنبلاط إلى ترسيخها.

وألف تحيةٍ وسلام لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، والذي قال: "ربّي: إذا  وهبتني العقل فماذا حرمتني. وإذا حرمتني العقل فماذا وهبتني".

فلنعد جميعاً إلى سيادة العقل، والمنطق، والأخلاق. وليبدأ المسؤولون من بيننا باحترام الدستور، والقانون، وحق الشعب في أن يعيش بحريةٍ، وعدل، ومساواة، وعدالة اجتماعية.

وبذلك نكون قد عدنا إلى الوطن، إلى كمال جنبلاط وكلّ المصلحين "فكل نضال"، كما قال كمال جنبلاط وشدّد: "إما أن يكون وطنياً جامعاً، أو لا يكون".