بعد 42 عاماً عادوا إلى فكره وإلهامه... إنه كمال جنبلاط

ربيع سرجون |

وبعد اثنين وأربعين عاماً انتبهوا. انتبهوا، وعادوا إلى فكره وإلهامه. هو صاحب الثورة المتجدّدة. الثورة التي لا تهدأ، ولو بعد الممات. جلّ ما يطالب به اللبنانيون اليوم كان من بنات أفكاره قبل عقود. مشروع الإصلاح، المساواة، العدالة، الدولة المدنية، الحق بالعيش الكريم، مكافحة الفساد والمحسوبية، كلها ناضل لأجلها المعلّم الشهيد كمال جنبلاط، وفي سبيلها استشهد. لم يتحدث كمال جنبلاط باستشرافه وألمعيته فقط عن السلطة، والدولة، ومؤسّساتها، بل أيضاً تحدّث عن هواجس الناس، صبرها وصمودها، إنفجارها وإقدامها. وكأنه في "ربع قرن من النضال"، كان يخاطب الثوار الذين يطالبون بالتغيير، ووجّه إليهم النصائح حول كيفية الصمود والقدرة على التحمّل، والمناورة لتحقيق المطالب.

يعرف وليد جنبلاط أن حناجر الثوار من كل الطوائف والمشارب كانت تصدح بما نادى به كمال جنبلاط يوم أسّس أول حزب تقدمي اشتراكي في هذه المنطقة. ولأنه يعلم ذلك، شدّد قبل فترة على وجوب العودة إلى الجذور، إلى العمل، إلى الريشة والمعول، وإلى الخروج من منطق التسويات والمحاصصات كما كانت تحاك من قبل، للعودة إلى عمق فكر كمال جنبلاط ووصيّته، وإجراء ورشةٍ داخلية في الحزب لإعادة إحياء الإرث المتجدّد، والذي لا ينتهي.

  ولأن وليد جنبلاط يعرف ذلك، استجاب لمطالب الناس، بعدم المشاركة في الحكومة عبر وزراء سياسيين أو حزبيين، والذهاب إلى اختيار وزراء تكنوقراط. ولذلك كان بالأمس بين الحشود أمام قصر المختارة، واقفاً إلى جانبهم، قارئاً لتطلعاتهم مبحراً في أحلامهم، مفكّراً في كيفية المساعدة على تحقيقها، والخروج من سجن الطوائف، والتسويات، والمحاصصة التي تقضّ مضاجعهم، وتقضي على آمالهم.

كان وليد جنبلاط على يقين بأن صرخات الناس من صرخات تلاميذ المعلّم، وهذه وحدها تتكامل مع جرأته المعهودة التي دفعته في أحلك الظروف إلى قيادة سيارته، وإلى جانبه نجله تيمور، لتهدئة الأجواء يوم استشهاد علاء أبو فخر.

ولذلك رسالة وليد جنبلاط واضحةٌ للناس كما للسياسيين، حول وجوب اتّخاذ إجراءاتٍ جذرية للإصلاح، وهو المعروف، بشهادة الكثيرين وغير الحاقدين، بأنه أكثر من واجهَ الفساد وسمسراته على طريقته، وجزءٌ من مواجهته المفتوحة كان مع التسويات التي كانت قائمة، وتتحكم بمفاصل البلاد.

ميزة وليد جنبلاط أنه يتماهى مع صرخات الناس ومطالبهم، على عكس مختلف القوى السياسية التي لا تزال في وادٍ بعيدٍ عن ما جرى منذ خمسين يوماً. ومنذ الإعلان عن تلاميح الحكومة، التي ستجري الاستشارات لتكليف رئيسها يوم الاثنين، تجدّدت التحركات، إذ اعتبر الناس أن ما يجري هو أقصى درجات الاستفزاز لهم. ومن المتوقع أن تتصاعد التحركات الاحتجاجية رفضاً لطريقة التعاطي مع الملفات المطلبية والسيادية بهذه الطريقة.

وفيما استمرت التحركات الاحتجاجية في بيروت والمناطق، والتي يُتوقّع أن تتصاعد في اليومين المقبلين، تشير بعض المعلومات إلى أن سمير الخطيب لن يتمكن من النجاح في مهمته. وحتى لو تمكّن من تشكيل حكومة، فهي لن تحصل على ثقة الناس، لذلك تدور بعض الاتصالات السياسية في الكواليس، للبحث عن مخرجٍ من هذا المأزق الذي تستمر القوى السياسية في الوقوع به. ومن الآن حتى الاثنين كل الاحتمالات مفتوحة.