رابطة أصدقاء كمال جنبلاط تذكّر برؤيته للثورة الشعبية وللدولة المدنية

الأنباء |

بمناسبة ذكرى ولادة المعلم كمال جنبلاط التي تصادف في 6 كانون الاول ومواكبة للانتفاضة الشعبية المدنية الجامعة التي انطلقت في 17 تشرين الاول 2019 ، وبعد الغاء رابطة اصدقاء كمال جنبلاط مؤتمرها السنوي الذي كانت تخطط لتنظيمه في 5 تشرين الثاني 2019 بسبب الظروف الراهنة، اغتنمت الرابطة هاتين المناسبتين اللتين يوجد بينهما الكثير من الترابط والتكامل، لاستعراض ابرز المحطات التي تحدث فيها المعلم كمال جنبلاط عن الفساد ومكامنه، ورؤيته الاصلاحية، وذكّرت الرابطة بهذه المحطات تحت عنوان "رؤية كمال جنبلاط للثورة الشعبية وللدولة المدنية": 


في العام 1947، ثار كمال جنبلاط على الفساد والمحسوبية والزبائنية ودعا الى التمرد الخلاق والثورة على القيود والاستسلام والخنوع، وأعلن انه "بدون تمرد لن نبني لبنان. يجب ان نتكرس لهذا التمرد، ان التمرد الخلاق وحده يبعث لبنان  امة واعية ومستقلة" (مقال صدر في 5/7/1947 في جريدة الانباء).
وفي شهر ايلول من العام 1952 ، قاد كمال جنبلاط التمرّد الخلاق ودعا الشعب الى الثورة السلمية، فتجاوبت الجماهير في مختلف المناطق والقطاعات، واستمر الاضراب ثلاثة ايام، فاستقالت الحكومة واستقال رئيس الجمهورية وانتصرت الثورة البيضاء.


-    وفي مقال آخر له صدر بتاريخ 4/7/1959  (جريدة الانباء) ، حدد كمال جنبلاط الاسباب التي تدعو للثورة بقوله: "عدم تمكين جميع اللبنانيين على السواء، في الحصول على وظيفة، وعلى العلم وعلى الترقي الاقتصادي والمعنوي. وقلنا ونكرر ان المساواة والعدل هي اساس بقاء هذا الكيان. واذا شاء هذا العهد ان ينجز في حقل الاصلاح الجوهري خطوة ايجابية، تذكر له، فما عليه الا ان يلبي رغبة جماهير اللبنانيين المحرومين حتى الساعة من الحد الادنى لمطالب الحياة الكريمة، فلنلغ الاوطان الطائفية من افكارنا، ولنؤسس وطنا ودولة مدنية نستطيع فعلاً ان نقول عنها انها وطننا ودولتنا بما لهذه الكلمات من معنى."


-    وفي مقال له صدر في 25/6/1960 ( جريدة الانباء) ، اعلن انه يحلم : "بدولة مدنية للبنان، لا وطن قومي مسيحي، ولا وطن قومي اسلامي، وطبعاً، لا دولة الحاكم بأمر الله، بل دولة ترفع المفاهيم الضيقة من النصوص ومن النفوس بجرأة حاكم صارم، لا يأبه بأقوال الجهلاء، وبنصائح بعض رجال الدين، وبآراء بعض المنظمات والشخصيات الطائفية، بل بما يشير عليه ضميره، او روح العدل في نفسه. دولة مستمرة في روح ثورية تدفع دوماً بالتاريخ  دفعاً ثابتاً وموجهاً الى الامام، ويتبدل بسرعة الطاقة النفسية عند الناس الى اقصاها، في دولة مدنية تنهار امامها آلهة القوة العنصرية. دولة تتمرّس بروح الشجاعة وبالفضيلة والتمرد والعزة والكرامة، وبالحدب المحب المخلص على الفئات الاجتماعية الشعبية، ايا كان لونها ومذهبها ومكان سكنها. دولة تتحرر من الطائفية السياسية، تحمي وتحرص على الثروات العامة، وتحقق اللامركزية الادارية، وتنمية كل المناطق. وتضمن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، ولاسيما حق العمل وحق السكن وحق الاستشفاء، وحق الرأي، وحرية الفكر لمواطن حر في شعب سعيد."
بهذا حلم كمال جنبلاط للبنان اعتقاداً منه اننا بهذا فقط نحافظ على كيان لبنان  وعلى ديمومته. وأردف قائلا: "وعندما نفيق طبعاً من هذا الحلم، نرى ان لبنان على عتبة كارثة اذا لم يؤت الى الحكم بالرجال الذين يستطيعون فعلاً ان يتجردوا من انانياتهم ومطامعهم، ويقفزوا فوق المستقبل القريب، ليقوموا بالاصلاحات الجذرية التي تجعل من لبنان وطناً لا دكاناً على شاطئ البحر، ويعالجوا الامور بقوة وبإيمان وطني عميق، وبحكمة في آن واحد."


وبتاريخ 14/9/1968، كانت له من خلال مقاله (في جريدة الانباء) الذي عنونه: "الزحف المنتصر لشعب لبنان" رؤية مستقبلية، نشهد اليوم تجسيداً لها في الانتفاضة الشعبية المباركة. فقد جاء فيها:
"بينما يتلهى معظم السياسيين بالقضايا العارضة النيابية او الحكومية او المصرفية، او بتحسين علاقة لبنان بالحكومة  السورية، او سواها من القضايا الطارئة، يتكوّن في جميع المناطق اللبنانية جيل شاب يتألف من عشرات الالوف من طالبي العمل، ومن المثقفين، ومن ارباب الجيل الجديد، جميعهم، في هذه الحقبة التاريخية الخطيرة في تحولاتها واتجاهاتها، لا يرتبطون لا بقليل او كثير، بما يجري اليوم على الساحة اللبنانية – هذا الشعب الجديد اخذ يتمنطق بغير ما نألفه من مقاييس للعقل، وبدأ يتوجه الى اهداف غير التي الفها سكان السراي، وارباب الرئاسات والسياسات. فالنواب واركان الدولة ومعظم السياسيين التقليديين هم في وادٍ، تفكيراً وعملاً، وهذا الجيش الهائل من الجيل الجديد في وادٍ آخر.
لقد يئس هذا الجيل الجديد من أية محاولة للاصلاح، ويئس من السياسيين ومن الدولة، ولم يعد تتحرك به اية بارقة امل في ظل النظام السياسي القائم. فالذهنية الثورية تعصف في كل مكان، والحركات الطلابية والشعبية تتقارب وتلتف على بعض، وتتشكل بسرعة متصاعدة متجاوزة جميع الاطارات والمناهج والافكار السياسية العادية، وفي بعض المناطق تكون مناسبات الفرح والكره مجالاً واسعاً لهذه الفئات الناشطة الجديدة، لتعمم فكرها وللالتقاء على المطالب بقلب الاوضاع اللبنانية رأساً  على عقب .
وهذه الفئات تلتقي في ندوات واجتماعات لم يعد بإمكان اية سلطة ان تحصيها، وان تراقبها، لاننا في الحقيقة نشاهد تحولاً جذرياً في المجتمع اللبناني ينمو ويتسارع على غرار ما يحصل في البلدان المتقدمة من العالم. هذا التيار النامي الجارف الجديد، يتوجه الى قلعة "باستيل" الحكم والتقاليد البالية والسياسات العتيقة والطائفية البغيضة ليهدمه في يوم مقبل من الايام، وليبني مكانه شيئاً جديداً  جداً ، دولة جديدة تختلف تماماً وكلياً عن الدولة القائمة اليوم، وهنا تبرز اهمية دورنا في التوجيه والتوعية للأهداف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الجديدة السليمة في معركة الانقلاب الشامل الذي ينتظر لبنان، ولا ينتظره، مع الاسف، احد من المسؤولين ، في جو اللامبالاة والانصياع الى التقليد السياسي الرتيبي والمتسلي بالقضايا الصغيرة والمبتذلة كقطع رأس هذا المصرف او ذاك، واجبار شركة الشرق الاوسط للطيران على الرضوخ لما يسعى المسؤولون على تقاسمه."
(وردت في كتاب لكمال جنبلاط "نظرة عامة في الشؤون اللبنانية والذهنية السياسية " في مقال حمل عنوان "الزحف المنتصر لشعب لبنان").
وفي ختام مقاله هذا برر كمال جنبلاط ثورته على الاوضاع القائمة في لبنان بهذه العبارات "كيف يمكن ان نسمي لبنان دولة وان تكون له سياسة، ولا توجد لهذه الدولة خطة اقتصادية – اجتماعية. كيف يمكن ان يكون لبنان دولة ودستوره طائفي، ودولته طائفية، وانظمته طائفية، وتوزع شعبه السياسي في معظمه على اساس طائفي. كيف يمكن ان يكون لبنان دولة وفيه تنعدم الحركات النقابية الحقيقية، والوضع السكني مزري بالنسبة للفئات الشعبية والعمالية، الى تأخر في القطاعين الصناعي والزراعي، والهدر الهائل في الطاقات المائية والكهربائية، والنقص الهائل في التعليم التقني وانعدام اية سياسة ترمي الى تشغيل واستيعاب الفئات المثقفة في البلاد ... الى  ... اشياء كثيرة لا يمكننا حصرها."


وفي مقال له صدر في جريدة الانباء بتاريخ 20/3/1971، تحت عنوان: "الطلاب والشباب وازمة النظام الديموقراطي البرلماني" دعا كمال جنبلاط الدولة لأن تتحرك وتقوم بالثورة من فوق، قبل ان تندلع هذه الثورة من ركائزها الشعبية ، اي من تحت، وهذا ما أورده في المقال المشار اليه.
"ألم يأتي الوقت للارتفاع بالحكم اللبناني الى مستوى الدولة العصرية المتقدمة والمتطورة في مفاهيم فكرها وفي تصرفها، ورفع الادارة اللبنانية واجهزتها المختلفة الى هذا المستوى، واحداث مشاركة واسعة في جميع المستويات لدولة الشباب والاستجابة لتطلعاتهم."
الكلمة الآن للدولة، ان هي ادركت القوى والنزعات الكبيرة التي تكمن في لبنان ، في مستوى المثقفين، وفي مستوى الجماهير، وفي مستوى الشباب والطلاب وراء مطلب التعديل والتبديل.
"من هنا تبدأ الثورة – الثورة من فوق – قبل ان تندلع هذه الثورة من ركائزها الشعبية، اي من تحت."
وفي 13 نيسان 1975، اندلعت الحرب الاهلية المدمرة في لبنان، وتخوّف كمال جنبلاط من تداعياتها، وحاول اخراج البلاد من ويلاتها، فدعا في 18 آب 1975، بإسم الحركة الوطنية اللبنانية التي كان يرأسها، لاعتماد البرنامج المرحلي للاصلاح الديموقراطي، وهذه ابرز الاسس التي قام عليها هذا البرنامج:
1-    الغاء الطائفية السياسية كمرحلة نحوالوصول الى الدولة المدنية العلمانية في جميع مجالات التمثيل الشعبي والادارة والقضاء والجيش.
2-    في مجال التمثيل النيابي: الاخذ بالنظام النسبي وجعل لبنان كله دائرة وطنية واحدة، خارج القيد الطائفي، وتخفيض سن الاقتراع الى 18 سنة، واعتبار الرشوة جناية، واخضاع النواب لمراقبة ديوان المحاسبة ولمحكمة الاثراء غير المشروع.
3-    في مجال التمثيل الشعبي المحلي: تقسيم لبنان الى عشر محافظات، وانشاء مجالس تمثيلية في المحافظات والاقضية منتخبة لأربع سنوات، ولها صلاحية اقرار الموازنات المحلية وتنفيذها.
4-    على صعيد السلطة التشريعية: احداث مجلس دستوري منتخب يدعى "مجلس النشاطات اللبنانية الاساسية"، وتتمثل فيه الهيئات المهنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمعنوية.
5-    فصل النيابة عن الوزارة.
6-    وضع قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية.
7-    تعزيز الحقوق والحريات العامة، وازالة كل اشكال التمييز في معاملة المرأة على جميع الاصعدة.
8-    تحقيق الاستقلال التام للسلطة القضائية، وجعل مجلس القضاء الاعلى المرجع الوحيد لتعيين القضاة ونقلهم وترفيعهم وانهاء خدماتهم، واختيار اعضاء المجلس بالاقتراع السري المباشر من قبل افراد الجسم القضائي مرة كل سنتين.
لم يكتب لهذا البرنامج الاصلاحي النجاح، واستمرت الحرب، غير ان المجتمعين في الطائف سنة 1989، وجدوا في البرنامج بعض النقاط التي تساعد على اخراج لبنان من محنته، فتبنّوها واصبحت جزءاً من اتفاق الطائف، وبالتالي جزءاً من الدستور.


ان رابطة اصدقاء كمال جنبلاط، وعلى خطى المعلم الشهيد، تستمر بكل تصميم في الدعوة الى التغييروالحداثة، رغم العقبات والعراقيل السياسية والطائفية والمذهبية، على امل الوصول الى قيام دولة مدنية في لبنان تحقق المواطنة، بكل مندرجاتها، وتكفل للبنانيين العدالة الاجتماعية والمساواة امام القانون، وتضمن ممارسة الحريات الاساسية، وتكافؤ الفرص امام الجميع دون تمييز.
والرابطة التي واكبت باهتمام وايجابية الانتفاضة الشعبية المدنية الجامعة منذ انطلاقها في 17 تشرين الاول 2019، تحيّي سلمية هذه الانتفاضة ولا طائفيتها، وشمولها مختلف الفئات اللبنانية، في كل القطاعات، وفي كل المناطق، والدور المميز فيها للمرأة اللبنانية المقدامة، وللشباب والطلاب. وتتمنى على هؤلاء المناضلين الاستمرار في التمسّك بالمنهج المدني لتحرّكهم، والمحافظة على سلمية التحرك وشموليته، مع الاخذ في الاعتبار الاوضاع المعيشية الصعبة للبنانيين، والعمل على رسم خريطة طريق لمستقبل تحركهم تؤسس لإعداد البديل القادر على ادارة الامور في الدولة المدنية التي نطمح جميعاً لتحقيقها كمخرج للبنان من ازماته السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية.