الثورة غيّرت لبنان لكنها لن تستطيع إحداث تغيير جوهري في الحكومة الجديدة

04 كانون الأول 2019 21:05:29

لا يمكن تجاهل التغييرات الهائلة التي أحدثتها الانتفاضة الشعبية العارمة التي حصلت في لبنان منذ 17 أكتوبر الماضي.

بالمقابل، فإن كل المعطيات تؤكد أن هذه الثورة لن تتمكن من احداث تغيير جوهري في شكل وتركيبة الحكومة الموعودة، لناحية التأليف، ولناحية توزيع قوى النفوذ فيها.

ملامح التغيير في نمطية الحياة العامة اللبنانية بدت واضحة منذ الآن، ذلك أن الشخصانية المفرطة المستندة الى ميديا متفلتة، والتي تجاوزت أحيانا النمط الغربي، أصبحت سمة ثابتة في الحياة اللبنانية، مع فارق، أن استقلالية الفرد وحرياته في الدول الغربية محمية من قوانيين مدنية ومن مؤسسات قضائية وأمنية متماسكة، بينما هذه الاستقلالية - أو الفردية - اللبنانية الحديثة ولدت في كنف فوضى، وهي مهددة من نظام محاصصة طائفية يصعب تغييره بسهولة، وبالتالي فإن واقع عمل الدولة حاليا في لبنان يختلف جذريا عما هو عليه الحال في الدول الأوروبية.

كما أن التأمينات الاجتماعية المعتمدة في الغرب، والتي تحمي الاستقلالية الفردية، غير موجودة في لبنان.

وإشارات التغيير في نمطية العمل السياسي والحزبي واضحة جدا، بحيث أن مجموعات واسعة من الناخبين تحررت من ضغوطات الميثولوجيا الدينية، أو من المخاوف الأمنية، وهناك رأي عام بدا في حالة تفلت من بعض المؤثرات، وقد أصبح أكثر استقلالية في تقييم أداء القوى السياسية وطريقة مقاربة هذه القوى للشأن العام، خصوصا لناحية مدى تحرر الأحزاب من المؤثرات الخارجية التي تكبل عملها لمصلحة دول كبرى لها أطماعها التوسعية.

كل ذلك لا يعني أن الثورة اللبنانية الشاملة والتي تبنت مطالبها كل الأطراف - بمن فيهم المعادون لها من أهل السلطة - يمكن لها أن تحقق انقلابا في التركيبة الحكومية الموعودة، بسبب تماسك الجزء الأكبر من الاسطبلشمن الحاكم بهدف الحفاظ على نفوذه ومصالحه، بصرف النظر عن الاختلافات الجوهرية بين القوى التي يشملها هذا الفريق، وأعني تحديدا أحزاب الثنائية الشيعية والتيار الوطني الحر، المحميين من رئيس جمهورية صلب وغير مرن ويستند الى تركيبة طائفية قاسية، وفريقه الرئيس يعتبر أن التنازلات في هذا الوقت تؤدي الى انكشافات خطيرة.

كما أن هذا الاسطبلشمن محمي هو أيضا من رئيس مجلس نواب لديه خبرة كبيرة، ويتمتع بنفوذ شعبي ولديه حماية من قوة حزب الله العسكرية التي لا يناسبها احداث أي تغيير على الواقع القائم في الوقت الراهن.

ولأن الثورة لم تلق أي احتضان من القوى العربية والدولية المؤثرة على غرار ما حصل مع ثورة الأرز في العام 2005.

أصبح من المؤكد أن الحكومة الجديدة لن تتألف من مختصين او تكنوقراط فقط كما طالبت قوى الثورة، ويبدو أن قوى الاسطبلشمن ستتمكن من فرض تمثيل وازن فيها، بما في ذلك الابقاء على وزراء كانوا محل شكوى لدى المتظاهرين، وربما يكون منهم وزير الدفاع الياس بوصعب ووزيرة الطاقة ندى البستاني والوزيران سليم وفادي جريصاتي المحسوبان على رئيس التيار الوطني جبران باسيل.

كما أنها ستضم وزيرين حزبيين آخرين من حركة أمل وحزب الله على أقل تقدير.

من المرجح أن الثورة قد لا تتمكن من لجم طموحات قوى السلطة بسبب المحاذير الطائفية، وبسبب النظام البرلماني التوافقي القائم.

لكنها حكما لن تستسلم أمام هذه القوى.