البيئة في فكر كمال جنبلاط

محمود الأحمدية |

إنّ أول مؤتمر بئي دولي طرح الصوت عالياً ونبه العنصر البشري من الزوال كان مؤتمر ستوكهولم عام 1972 ... وكان كتاب " الربيع الصامت " للأديبة الأميركية راشيل كارسون أحدث نشْره ضجّةً في الولايات المتحدة والعالم المتحضّر كله والذي أظهر الخطر على الطبيعة والإنسان من خلال استخدام الأدوية السامّة والمبيدات للحشرات .
انطلاقاً من ذلك ... وإيماناً بقضيّة البيئة ارتفع الصوت البيئي الأول على الصّعيدين : العربي ودول العالم الثالث ، صوت كمال جنبلاط ينبه ويناقش ويرتقي بقضيّة البيئة من خلال كتاب " أدب الرحلة " إلى مصاف المسؤولية الكونيّة بادئاً بالمثل الرائع عن التوازن الكوني : " إنك لا تستطيع أن تحرّك زهرة دون أن تهتز إحدى النجوم " للشاعر طومس .

 وتحت عنوان : " أدب الإنسان بالنسبة للطبيعة الخارجية " يعرض جنبلاط رؤيته لموضوع البيئة بالنص التالي : " تلاتفع الضرورة الملحة في عصرنا لتحقيق مثل هذا الأدب في معاطاتنا مع الطبيعة الخارجية ، لأن الإنسان خرج عن المألوف والمعقول والطبيعي في عدد كبير من الأشياء وأخذ يستصنع بيئته دون أن ينظر بدقة إلى حقيقة تكوين هذه البيئة ، وكيف أنها تلتزم هي أيضاً بتفاعل دائب لأزواج متعدّدة من الأضداد وكيف أنها أوجدت لذاتها أنظمة خاصة لتحويل جميع الافرازات والنفايات إلى عناصر جديدة ومواد خام أولية تدخل في صنع وتغذية النبات والحيوان،  اللذين يمتصّانها في حركة دائبة متصلة لا تتوقف في فعلها " .
إنها رؤية مستقبلية تستشرف الأيام والسنين القادمة بطريقة استقرائيّة متقدمة لم يسبقه إليها أحد في الشرق ... منذ ربع قرن من الزمان وصولاً إلى يومنا هذا نرى الواقع البيئي المرعب يتفاقم يوماً بعد يوم وكأنه تحقيق لنبوءة كمال جنبلاط وتوقعاته البيئيّة ... وإذا كانت البيئة هواء وماء وتربة ... فهذا الثالوث أصبح في لبنان مهدّداً وبطريقة تضعنا في مصاف الدول الأكثر تلوثاً . وهو ما نبّه له كمال جنبلاط بطريقة حسّيّة مدروسة وواضحة عندما استشهد بالدكتور البير شوايترز في قوله المأثور : " إن الإنسان فقد موهبة التحسّب ومجانبة الضرر وسينتهي شأنه بتهديم هذه الأرض". 

*رئيس جمعية طبيعة بلا حدود