الأزمة اللبنانية متعددة الأوجه... وسياسات العهد لا تؤسس لحلول جذرية!

04 كانون الأول 2019 06:30:00 - آخر تحديث: 04 كانون الأول 2019 10:48:47

مع تفاقم الأزمة المعيشية والاقتصادية والنقدية التي يواجهها لبنان، والتي ازدادت قساوة في الأشهر الأخيرة والمرجّحة بالاستمرار، تُكثر شاشات التلفزة يومياً من استضافة العديد من المعلّقين، والمحلّلين، والخبراء، والصحفيين، ومنهم اقتصاديين وسياسيين، وباحثين أكاديميين، وحيث يستفيض كل متحدثٍ على طريقته، ومن خلفيته الفكرية أو السياسية، شرحَ أسباب الأزمة المعيشية التي وصلت إليها البلاد، والتي شكّلت شرارة اندلاع الانتفاضة الشعبية، وانطلاق موجة التظاهرات والاعتصامات منذ 17 تشرين الأول 2019، والتي تمدّدت مساحتها على أرجاء الوطن، وتنوّعت أشكالها وطرق تعبيرها المختلفة، ولا سيّما التظاهرات الطلابية، والنسائية الراقية.

العدد الكبير من الخبراء والمتحدّثين، ومنهم من غير أصحاب الاختصاص، يضع أسباب الأزمة المعيشية في خانة الفساد السياسي والإداري الذي مارسته القوى السياسية التي تعاقبت على إدارة الشأن العام في حكومات ما بعد 1992 وحتى اليوم. وهذا أمرٌ صحيح لا يختلف عليه اللبنانيون، وإن بنسبٍ متفاوتة بين مَن يضع الجميع في خانةٍ واحدة ولا يميّز بين الصالح والطالح، ويسير خلف شعار "كلن يعني كلن"، وبين من ينظر إلى الأمور بعين الموضوعية التي تعطي كل صاحب حقٍ حقه على قاعدة "ما لـ لله لـ لله، وما لقيصر لقيصر".

ويشرح آخرون بإسهاب الأزمة من وجهة نظرٍ محض اقتصادية أكاديمية، ويضع الأسباب كاملةً في خانة النظام الاقتصادي الحر (الليبرالي) الذي يعتمده لبنان منذ تأسيسه، والذي جرى تجديده بعد الحرب الأهلية بنظرةٍ أكثر تطرفيةً (نيو- ليبرالية)، وذلك من خلال اعتماد الاقتصاد الريعي الخدماتي دون سواه، وهو ما أخلّ بالتوازن الطبيعي لعناصر الاقتصاد التقليدية والتي ترتكز عليها عناصر النمو ومقوماتها، ولا سيّما الصناعة، والتجارة، والزراعة. وهذا صحيح أيضاً، وإن كان البعض يُغفل عن قصدٍ أو غير قصد، وعمليات إغراق الأسواق اللبنانية بالمنتوجات الزراعية السورية في كثير من المواسم والاوقات (خاصةً خلال الوجود السوري الذي استمر 40 عاماً)، وهي التي كانت تضرب الأسواق الزراعية، وتطيح بقيمة المنتوجات اللبنانية ومواسم المزارعين، فضلاً عن إغراق الأسواق التجارية بمنتوجات صناعيةٍ مهرّبة لماركات عالمية، وبأسعارٍ أقل من كلفة الإنتاج الوطني، مستفيدين من النفوذ السياسي على المعابر الحدودية، والمرفأ، والمطار، وغيرها من النقاط التي يخضع فيها عناصر الجمارك لهيمنة بعض المجموعات المسلّحة، أو تحت عنوان "احتياجات المقاومة، أو مساعدات اجتماعية"، أو غيرها من عمليات التهريب التي تندرج تحت عنوان تبييض الأموال.

ويعيد البعض الآخر من المتحدثين أسباب الأزمة إلى السياسة النقدية التي اعتمدها المصرف المركزي منذ عام 1992، والتي قامت على نظرية تثبيت استقرار سعر العملة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، وذلك على اعتبار أن هذه السياسة أرهقت الخزينة اللبنانية، وقلّلت من فرص الاستثمار الاقتصادي مقابل الاستثمار النقدي في سندات الخزينة، وهو ما قلّل من توفّر السيولة في الأسواق، وفاقم من الدّين العام، وتلاعبَ بأسعار الفائدة، وضاعفَ من خدمة الدّين، ووفّر فرص مراكمة الأموال لدى المصارف. وهذا ما وضع لبنان على شفير الإفلاس بعد أن أخلّ بالتوازن الاجتماعي بحيث باتت ما نسبته 5% من اللبنانيين تتحكّم بمقدرات الاقتصاد اللبناني، وثروته، ومشاريعه، وكهربائه.

ومما لا شك فيه هو أن الأزمة المعيشية في لبنان مرتبطةٌ بالتعثرات التي تصيب النظام الاقتصادي اللبناني، والمرتبطة بدورها بالأزمة السياسية التي تواجه النظام السياسي اللبناني منذ العام 2006 وحتى اليوم، والتي باتت منذ العام 2011 مرتبطةً بدور لبنان في الصراع الإقليمي والدولي، وحيث أخذت فئة من اللبنانيين الدولة لتكون جزءاً من محورٍ إقليمي (ممانع) ومخالفٍ لدور وموقع لبنان التاريخي العربي، والعضو المؤسّس لجامعة الدول العربية، لا بل إلى الموقع المعادي لدول الخليج العربي، وهو ما دفع تلك الدول، ولا سيّما المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة، إلى سحبِ ودائعها المالية من المصرف المركزي، وإلى دعوة رعاياها لمغادرة لبنان، وبالتالي خسارة الاقتصاد اللبناني مواسم سياحية واعدة، واستثماراتٍ كبيرة اعتاد الأشقاء العرب على تنفيذها في لبنان.

ومنذ وصول العماد ميشال عون إلى سدّة الرئاسة، وتولي الوريث المدلّل جبران باسيل مقاليد وزارة الداخلية، بات الخطاب الرسمي للدبلوماسية اللبنانية، ملتزماً انحياز لبنان الرسمي إلى محور الممانعة (الإيراني - السوري). وهكذا لم يعد بالإمكان الفصل بين موقف حزب الله المتفرّد، وبين الموقف الرسمي لوزير الخارجية والذي بدا في مواقع عديدة ناطقاً باسم المحور الإيراني، والخارجية السورية، أكثر منه باسم السياسة الرسمية للدولة اللبنانية التي اعتمدت مبدأ النأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية العربية – الإيرانية، والأميركية – الإيرانية. لا بل بات لبنان في الموقع المنحاز إلى إيران وسوريا بوجه دول العالم الغربي ومجموعة الدول العربية، وهو ما أوقعه تحت حصار اقتصادي كبير طاولت عقوباته أفراد حزب الله، بل العديد من المؤسّسات الوطنية المرتبطة بالحزب، والتي كان آخر ضحاياها جمال سترست بنك.

ولا يمكن إغفال سياسة التعطيل التي اعتمدها فريق حزب الله – التيار الوطني الحر، والتي كان لها أثراً سلبياً على الاقتصاد الوطني، وعلى مضاعفة نسبة الدَّين العام وأطاحت بفرص النمو، وهي التي قال عنها حاكم مصرف لبنان في مؤتمره الصحافي بأنها أرهقت الاقتصاد اللبناني، والتي استمرّت سنوات عديدة بين العامَين 2006 و2008، والتي جاءت بعد حربٍ مدمرة شنّتها إسرائيل على لبنان، وبين العامَين 2014 و2016 التي أغرقت الحكم بالفراغ الرئاسي بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، وحيث تعطّل المجلس النيابي أيضا بانتظار اكتمال نصاب جلسة انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية. وبات للبنان في ذلك الوقت 30 وزيراً برتبة رئيس. والمقرّبون من الرئيس تمام سلام يعرفون حجم المعاناة التي تحمّل فيها غلاظة جبران باسيل وتعجرفه. كما لا يمكن إغفال تأخير تشكيل الحكومات في محطاتٍ عديدة، والتي يتحمّل العماد عون وفريقه السياسي مسؤوليتها أيضاً، مرةً بحجة الإصرار على توزير صهره جبران باسيل، ومرةً للحصول على الثلث المعطّل، ومراتٍ عديدة لتمرير الصفقات المشبوهة في الكهرباء والنفايات وغيرها من الملفات، وليس آخرها ما يجري اليوم من خروج عن الدستور اللبناني، بالذهاب الى التأليف قبل التكليف، ضارباً بعرض الحائط حقوق النواب في تسمية رئيس الحكومة العتيد، والتي حدّدها المشرّع اللبناني، وهي "الاستشارات النيابية الملزمة".

في نهاية شهر تموز من العام 2005، وبعد أشهرٍ من خروج الجيش السوري من لبنان - إثر جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والتي فجّرت ثورة 14 آذار، والتي عاد على إثرها العماد عون من منفاه الفرنسي إلى لبنان، كان حجم الدَّين العام 33.8 مليار دولار، وكان لبنان في حينه يستعد لتنفيذ الإصلاحات التي وعدَ بها في مؤتمر باريس 2002 الذي نظّمه الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بمعاونة صديقه المغفور له الرئيس الفرنسي جاك شيراك. وفي نهاية تموز 2019، وقبل أشهرٍ قليلة من دخول عهد الرئيس ميشال عون سنته الثالثة، وصل الدين العام الى 86 مليار دولار. ولم تنجح الحكومات المتعاقبة منذ 2002، والتي لم يغب عنها التيار الوطني الحر، في إقرار الإصلاحات الإدارية والاقتصادية التي التزم بها لبنان في مؤتمرات الدعم الفرنسية الثلاث، والتي كان آخرها مؤتمر سيدر.

أما في العام 1988، ومع انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل، تولّى ميشال عون رئاسة الحكومة العسكرية الانتقالية، وأدخل لبنان في حربَي التحرير والإلغاء، وكلّف الخزينة اللبنانية الكثير من الأموال، لا بل أوصلها إلى الانهيار إلى أن جاءت التسوية الإقليمية وأخرجته إلى منفاه الباريسي لينتهي حكمه بانتهاء الجمهورية الأولى. اليوم، وفي عهد الرئيس ميشال عون - الذي قَبِل به اللبنانيّون رئيساً رغماً عنهم حمايةً للدولة ومؤسّساتها، وبفعل اختلال التوازنات الإقليمية المتحركة - يبدو أن العماد عون سينهي حكمه الثاني بأزمةٍ اقتصادية وسياسية لم يشهد لها لبنان مثيلاً منذ الحرب العالمية الأولى، على حد تعبير النائب ميشال معوض، والتي قد تطيح ليس بعهده فقط، بل بالجمهورية الثانية أيضاً.