"الطائف"... الشمّاعة!

رامي الريس / نداء الوطن |

وثيقة الوفاق الوطني اللبناني المعروفة بإتفاق الطائف والتي تم التوصل إليها سنة 1989 بتفاهم عربي دولي كبير وأصبحت دستوراً للبنان سنة 1990 هي "الشماعة" التي تستحضرها بعض القوى السياسية غب الطلب!

بعضهم رفضها ونكر الإعتراف بمفاعيلها لسنواتٍ معتبراً أنها لا تعبر عن تطلعات (عملياً طموحاته)، ثم عاد وقبل بها عندما أوصلته إلى الحكم. البعض الآخر بنى قوته على ضفافها ولا يستحضرها إلا في ساعات الإحتباس السياسي مستذكراً أنها رسمت الخطوط العريضة لدولةٍ مرتجاة غالباً ما تضعفها "فوائض" القوة. أما البعض الثالث فتعني له إعادة بناء الإقتصاد والإعمار مع كل ما يمكن أن يرافق ذلك من نقاش في الأهداف والأولويات والاستهدافات!

وإذا كان بعض هؤلاء يفاخرون بتعديل "الطائف" بـ "الممارسة" (أي عملياً يفاخرون بإنتهاك الدستور وتجاوز مواده)، فالبعض الآخر يستحضر منه ما يناسب اللحظة السياسية كالقول مثلاً أنه نص على تشكيل حكومات وحدة وطنية دائماً في لبنان، وهو ما لم يرد سوى في الأحكام الإنتقالية التي صدرت لفترة ما بعد إقراره مباشرة مما يتيح لمنحة حقبة ما بعد الحرب وبناء مناخات وطنية جديدة.

وجاءت الوصاية السورية لتكرّس هذا المسار، فضغطت لادخال كل القوى السياسية إلى الحكومات المتعاقبة (ومن عارض منها إلى السجن أو المنفى)، فعطلت بذلك الحياة الديمقراطية وشلّت نظام المساءلة والمحاسبة، فصارت الحكومات نسخة مصغرة عن المجالس النيابية. الكتل البرلمانية ممثلة بالحكومة والعكس صحيح. ولولا بعض المستقلين وإصرار بعض الكتل على القيام بدورها هنا وهناك (طبقاً لموازين القوى)، لافرغت الحياة البرلمانية من مضمونها، وأضحت الحياة السياسية مملة برتابتها (وهي كانت كذلك فعلاً في عددٍ من المراحل).

إن طبيعة النظام السياسي اللبناني بمستوياته المركبة والمتنوعة كانت تتيح التوفيق بين الحفاظ على الحد الأدنى من الشكل الديموقراطي في فصل المؤسسات وتوازنها وتعاونها من دون التخلي عن التوجهات الأساسية التي يمكن من خلالها الإبقاء على ثوابت محددة أو خيارات إستراتيجية كبرى، ولكن الوصاية أصرت على ممارسة الإذلال والإدارة المباشرة للشؤؤن الداخلية اللبنانية.

أما اليوم، فإن استعادة المنطق ذاته تطرح الكثير من علامات الإستفهام لا سيما أن الأزمة الإقتصادية والمالية غير مسبوقة وهي تتطلب قرارات وخيارات صائبة ولا تحتمل الخطأ من النواحي التقنية والعلمية ما يجعل خيار حكومة التكنوقراط أكثر منطقية ما يضمن الإبتعاد عن إعادة إستنساخ تجربة الحكومة الأخيرة التي كانت بعض القوى السياسية تملك حق تعطيلها وهي لم تتوان عن التلويح بهذه الورقة عند كل منعطف أو خلاف!

إن الإمساك بالقرار السياسي توفره عناصر عديدة، إحداها التمثيل الوزاري من دون شك، لكنه ليس العنصر الوحيد. ثم ألم تلاحظ بعض القوى أن تأخير إعترافها بتغير الواقع السياسي والشعبي بعد 17 تشرين الأول، لا يلغي أن الثورة حدثت فعلاً وأعادت خلط الأوراق على أكثر من صعيد!

المطلوب أكثر من أي وقتٍ مضى تسهيل تأليف حكومة جديدة، ولكن خطوة الألف ميل لم تبدأ بعد... حتى إستشارات التكليف لم يطلقها رئيس الجمهورية متجاوزاً روحية الدستور والمنطق!