لأن المختارة تقدمية وأرفع من قمقم الطوائف... لن تسلك هذه الطريق

ربيع سرجون |


اعتاد من تحفر الأغلال في جلده شكلاً للوطن، أن يتعالى على الصغائر. الوطن في نظره صورة متخيلة، مزيج بين التاريخ والمستقبل، بين أمل وواقع ومرتجى. لا يتوانى عن التعبير عنه في تغريداته وآخرها اثنتان. الأولى عن صورة تاريخية للمطار، مع آمال تطويرية في بناه ومنشآته. والثانية في التعالي على الشتائم، بالتمسك بالصمت تجاهلاً ارتقاءً للنفس. ومن يعرف المختارة، يعرف كمّ السكاكين التي غرزت في جسدها لإنهاء الدور والدار. لكنها لم تخف. والصمت ليس خوفاً، إنما تحصّناً بكرامة وعقلانية تأبى الجنون، وتترفّع عن الضغائن.

 

ولأن المختارة تقدّمية، لا يمكنها سلوك طريق الجاهلية. ولا الردّ أو التوقف عند حدود ما قيل في الجاهلية. تبقى رمزية المختارة أرفع من أي انحطاط قد يسعى لإصابة لبنان بمقتل. ولأنها المختارة، لا يمكن وضعها في سياق ما شاهده لبنان طوال الأيام السابقة. استعاد لبنان أياماً سيئة من تاريخه، في حالة الانقسام الطائفي والمذهبي التي تكرّست.

 

بمعزل عن المضمون، لكن أسوأ ما شاهده لبنان في تاريخه القريب، هو التوصيف الذي أعطي لاجتماعات المؤسسات الدينية التي عقدت مؤخراً. وإذا ما جرت مقارنة اللقاءات من الناحية الشكلية أو الصورية، فيمكن الرسو على مبدأ الجزر الطائفية التي لا تريد المختارة إعادة تكريسها، وتستمر في العمل على مواجهتها. وبالتالي هي تبقى حالة تقدّمية على أي حالة جاهلية لوضعها في خانة درزية حصرية، أو جلعها صرحاً للقاء مقابل للقاءات طائفية أو مذهبية أخرى.

 

افتتح لبنان صفحة سيئة من تاريخه، في عقد ثلاث لقاءات مذهبية سياقاتها قد تضرب غايته التشاركية. فاجتماع المطارنة الموارنة اتخذ طابعاً للدفاع عن العهد المسيحي القوي، وطرح شعارات تتناقض مع الشعارات التي رفعها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الذي بدوره تقدّم بطروحات تتناقض مع الطروحات التي اقترحها المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى. انقسم لبنان على طوائفه ومذاهبه وفق توجهات مارونية، شيعية، وسنية. تبدأ بالخلاف على القمة الاقتصادية وتشكيل الحكومة والحفاظ على العهد، ولا تنتهي بالصراع على النفوذ والصلاحيات.

 

كل هذه الصراعات تتداخل فيها جملة عوامل سياسية وغير سياسية، محلية وإقليمية، أبت المختارة الدخول في تفاصيلها أو التورّط في مندرجاتها. وانسجاماً مع التقدمية ودليلاً عليها، ثمة من لجأ إلى خطاب فئوي تحريضي غرائزي، يقوم على مبدأ إستجماع الدروز ووضعهم في قمقم خال من الأفق، وعلى درب مسدود.


من فحوى الكلام الذي ارتكز على توجيه الشتائم والاستقواء بعضلات الغير، تمكن قراءة التوجه لهذه القوى التي استلحقت استجماع نفسها بعد صراعات في ما بينها على الحصص والمواقع. وكما هو حال الغربان التي لا تجتمع سوى على النعي، لكن كلمة المختارة واضحة، ولا تتغير كما يغيّر هؤلاء أوضاعهم وظروفهم، ويستبدلون الشحاذين بالأصدقاء والحلفاء وفق ما تهب الرياح من شرق أو من غرب. كلمة المختارة واحدة، لبنان أولاً والعروبة ثانياً والحرية أساس المرتكزين، بلا تبعية أو صنمية، خارج أي طائفية أو مذهبية.