لتُكشف أوراق اللعب

وسام القاضي |

تتزامن ذكرى ميلاد المعلّم الشهيد كمال جنبلاط مع انقضاء أكثر من شهرٍ ونصف على انطلاق الثورة الشعبية في لبنان ضد النظام الفاسد. وكم نفتقد في هذه الظروف الصعبة بأوضاعها الاقتصادية، والمالية، والسياسية، لرجالات دولة، ولقادةٍ كبار من أمثال المعلّم الشهيد للخروج من هذا المأزق الذي تتخبط فيه البلاد.

وتترافق هذه الذكرى مع حملةٍ مركّزة على رئيس الحزب من قِبل قنواتٍ مشبوهة تحت شعار محاربة الفساد، مع العلم أنه كان من المنادين على أن يتولى القضاء النزيه والعادل مهمة الإدانة، أو البراءة، لكل من تولى السلطة في لبنان على مدى السنين المنصرمة. لكن الهدف من الحملة لم يكن هذا الشعار، بل بسبب القرار السليم والنهائي الذي اتّخذه رئيس الحزب بعدم المشاركة بأي حكومة جديدة. وكما كان الضغط مركّزاً لعدم الاستقالة من الحكومة السابقة، فقد كان يُمارس الضغط نفسه للمشاركة في الحكومة المقبلة. والهدف ليس المشاركة في اتّخاذ قراراتٍ تهدف إلى إخراج البلاد من الأزمة، بل الهدف كان إضفاء الغطاء السياسي على هذه السلطة الفاسدة.

إن المراوحة، وتمييع الوقت، وعدم المباشرة بالاستشارات النيابية المُلزمة، يعود إلى مطلب تحالف السلطة بين التيار الوطني الحر – حزب الله لعودة الرئيس سعد الحريري إلى سدّة الرئاسة الثانية من أجل الاستفادة من القاعدة اللبنانية التي يمثّلها، وكذلك من علاقاته الخارجية، وتجييرها كغطاءٍ سياسي لهذا التحالف.

وكم هو مستهجن أن يصرّح رئيس كتلة المقاومة، النائب محمد رعد، أن أي حكومة تكنوقراط لا تستطيع الانطلاق بعملها، بينما الحل يكمن في حكومة وفاق وطني، وكأن كل ما قيل من قِبل المتظاهرين على مدى شهرٍ ونصف في مختلف المناطق اللبنانية قد ذهب أدراج الرياح. هل يُعقل أن يطالَب من جديد بحكومة أحزاب، وهي التي أوصلت البلاد إلى هذه الأزمة من خلال المحاصصة التي كانت قائمة بين أطراف السلطة. إن هدفه يكمن فقط في تأمين الغطاء السياسي لتحالف العهد دون الاكتراث لفساد الإدارة في الدولة وللصفقات والسمسرات.

وفي المقلب الآخر ما زال رئيس التيار العوني جبران باسيل يتعاطى وكأن الأمور على خير ما يرام، ويتفاوض بشأن توزيع الحقائب، وكيفية تبادلها وحصة التيار منها. إنهم يعيشون بالتأكيد على كوكبٍ آخر بتفكيرهم. لم ينصتوا لصرخة الأمهات والطلاب وكبار السن، ولم يدركوا بعد خطورة الأزمة التي تتخبط فيها البلاد ونحن على مشارف الانهيار.

منذ أكثر من سنة نبّه رئيس الحزب، وليد جنبلاط، إلى ضرورة الانتباه إلى العدّاد، وفي كل إطلالةٍ له كان يعيد التنبيه، لكن ما من مجيب في سلطةٍ تتناهش مقومات الدولة. فالديون تتراكم، والاستثمارات تتضاءل نتيجة التوجّهات السياسية، والهدر الذي يزداد. إن شعارات هذه الثورة الشعبية حول الفساد المالي هي شعارات محقّة. ووحده القضاء العادل، والنزيه، والمستقل عن الهيمنة السياسية للسلطة الحاكمة يستطيع الفصل فيها. أما الفساد السياسي فحدِّث ولا حرج. هذا الفساد الذي تغلغل في النظام اللبناني، وجعل من أكذوبة الوفاق الوطني مظلّةً للحكومات المتعاقبة منذ اتفاق الطائف للإمساك بمفاصل الحكم.

هي الذكرى نفتقد فيها لقائد الثورة، وملهم الثوار. نفتقد فيها لمن سار إلى جانب الشعب في كافة مطالبه المحقة. نفتقد فيها لمن دخل إلى السلطة وخرج نظيفاً، ولم ينغمس في مفاسدها. نفتقد من رفضَ المساس بالقرار الوطني المستقل، وواجه التسويات الإقليمية والمصالح الدولية. نفتقد لشهيد الحركة الوطنية اللبنانية. شهيد القضية الفلسطينية. شهيد الفقراء والفلاحين، المعلّم كمال جنبلاط. ألف تحية في ذكرى ميلاده.


(*) رئيس جمعية كمال جنبلاط الفكرية