بعد كل محاولات التفاهم مع "التيار"... هذا ما اكتشفه الحريري بنفسه

ربيع سرجون |

لا يجد التيّار الوطني الحرّ مَن يفوقه في عمليات الهروب من المسؤولية. يستسهل التيار تدفيع ثمن أخطائه للآخرين. يرتكز على عملية دعائية هائلة، ترافقه منذ سنوات، تدّعي تحقيق الإنجازات، وتتهرّب من تحمّل المسؤوليات التي تحيلها إلى الخصوم في السياسة، بينما الحقيقة، وللتاريخ، هي أن الإنجاز الوحيد الذي حقّقه التيار الوطني الحرّ هو ماكينته الدعائية والإعلامية التي تحترف تحوير الحقائق وتزوير التاريخ، وتنجح في التغلغل في عقول مناصريه. هي أشبه بلوثةٍ لا يزال الجميع يعجز عن كيفية إيجاد حلٍٍّ لها. ولو لم تكن كذلك، لما كان التيار نجح في الوصول إلى المواقع التي وصل إليها وأثبت فشله فيها، وخواء منطقه في التعاطي مع مهامها.

في مواجهة سياسة التعنّت التي يستمر التيّار في انتهاجها لتحقيق غاياته وأهدافه، وصلت به الحال إلى تزوير التاريخ برمّته منذ استقلال لبنان إلى اليوم، وذلك عبر الاستمرار بتسعير الخطاب الطائفي والمذهبي، وتحميل رؤساء الحكومات المتعاقبين مسؤولية تردّي الأوضاع في لبنان، محمّلاً رؤساء الحكومة مسؤولية اندلاع الثورة البيضاء، وثورة 58، والحرب الأهلية، وغيرها. وهذا اعتداءٌ موصوفٌ على العقل وعلى التاريخ، لأن رئيس الحكومة في تلك المراحل لم يكن يتمتع بأي صلاحية سياسية، ولا يتمكن من اتخاذ أي قرار.

لكن الجيّد في الأمر هو أن هذا المسار الذي ينتهجه التيار، يسهم في إثبات حقيقته "الفتنوية" لجميع من راهنوا على إمكانية التفاهم أو التوافق معه. وربما أكثر من لمسَ خطأه واكتشفه، هو الرئيس سعد الحريري الذي أبرم تسويةً مع الرئيس ميشال عون للخروج من التعطيل، وحفاظاً على البلد، لكنه وجد نفسه محشوراً في خانة ضيّقة وبسيطة تريد له أن يكون رئيس حكومة تلبية مصالح جبران باسيل، وطموحاته، ليس أكثر. اكتشف الحريري بنفسه، وبدون شهادةٍ من أحد، كارثية التيّار الذي تحالف معه. وعندما توقف عن تلبية مصالحه، بدأ التيّار بكيل الاتهامات له، محملاً إياه مسؤولية كل ما جرى ويجري. والأسوأ أن التيّار يرتكز على منطق مذهبيٍ وطائفي للهروب من أزمته، وللتهرّب من المسؤولية، متناسياً أن الانفجار الاجتماعي الذي حصل، انفجر في أكثريته في البيئة المسيحية، والشارع المسيحي، رداً على ممارسات هذا التيّار وفوقياته. وكما يتجاهل هذا التيار مطالب وصرخات اللبنانيين، من خلال المطالبة باستعادة كامل حصته في الحكومة الجديدة، والإصرار على الوجوه القديمة، إلّا أنه على ما يبدو لا يزال يجهل أن أساليبه الطائفية والتقسيمية لم تعد تنطلي على أحد، وخصوصاً على أبناء بيئته. هنا، في حقيقة الأمر، تكمن أزمة التيّار الوطني الحرّ وهي أزمةٌ مع ذاته.