الثورة اللبنانية بين عامي 1973 و 2019

كريم الدبيسي |

كل عام نكون على موعد ذكرى ميلاد المعلم الشهيد كمال جنبلاط في السادس من كانون الأول، لنحيي ذكرى ولادة الأمل في الشرق المظلم، ولادة الحرية والتعددية، شعلة النور والهدى، وانبعاث روح التجدد والثورة. وفي هذا العام تطلّ ذكرى ميلادك يا معلم، ولبنان يشهد ثورة الفقراء. ثورة الأحرار الشرفاء. ثورة المظلومين ضد الحكم الفاسد الفاقد للرحمة تجاه الشعب والوطن. 

وهنا لا بد أن نتذكر قولك الشهير: ''إن الذين ليس على صدورهم قميص هم الذين سيحرّرون العالم".

وها هم الثوار يملأون ساحات الحريّة متمردين على القمع والفساد، يهتفون بالمحاسبة والإصلاح، ويعدون بمستقبلٍ مشرق. لكن ما بين انتفاضة الشعب وخطواته الثابتة، وخوف السلطة من خسارة كل الامتيازات التي جنتها على مرّ السنين، تدخل الصراعات الإقليمية والدولية لتحقيق الأهداف والمصالح.

لذلك يؤسفنا أيها المعلم أن نقول لك بأن لبنان ما زال في دوامة صراع المحاور، وفيه ضعفاء النفوس الذين يستلمون الحكم الأقوى، ويتربعون على العرش بقوانين اللعبة الاستبدادية الطائفية بوجهها الديمقراطي المزيّف، وتكون النتيجة الانحناء إلى المطامع الخارجية، وتعزيز الولاء للخارج والمجاهرة بحب الوطن.

لكن في المقابل بقينا نحن في حزبك. نرفع شعار لبنان المستقل سياسياً، ذو الوجه العربي، والمنفتح على كافة الثقافات كما أردته أن يكون حلقة وصلٍ بين الشرق والغرب بشخصيته الخاصة. 

ما زلنا في حزبك نواجه كل عدو للوطن. نحافظ على وحدته. نتحدى كل مشاريع التقسيم والتضليل، والإلغاء والتطويع.

نناصر قضايا الفقير متمسكين بمبادئك، ومستمرين بنهجك لإلغاء الطائفية السياسية. لا نساوم. لا نتراجع. لا نخاف، فأنت الذي قلت، "من لا يتحدى الكذب فهو كاذب، ومن لا يتحدى الجهل فهو متعامٍ، ومن لا يتحدى القوة الغاشمة فهو جبان".

في غضون اجتماع هاتين المناسبتين، الانتفاضة الحالية وميلاد المعلم، لا بد أولاً من تقديم لمحةٍ تاريخية إلى أصحاب الذاكرة الضعيفة والحقد الأعمى لنقول لهم كفى التقاط الفرص للتخوين والتحريض والتقسيم.

فعند كل مفترق نذكّرهم أين كان الحزب التقدمي الاشتراكي وأين كانوا. كنا السبّاقين، وما زلنا، في مواجهة الفساد والاستبداد السياسي منذ نشأة الحزب حتى الآن: 
-    نحن من قام بثورة 1952، حين تفشّى الفساد في أزقة دار الرئاسة وصولاً إلى التعيينات، والاستيلاء على كل مراكز الدولة (شبيه بالحكم الحالي).
-     نحن من قمنا بثورة 1958، حين بدا واضحاً الخلل في الاتفاق على إجراء إصلاحات شاملة في القضاء والإدارة والسياسة.
-    نحن جعلنا القضية الفلسطينية العربية قضيّتنا، ورفعنا مشعالها في كل العالم، وتصدينا لكل مؤامرة عليها. 
-    نحن من قمنا ببرنامج الإصلاح المرحلي عام  1973-1976، حين ترأس كمال جنبلاط الحركة الوطنية اللبنانية التي توحدت تحت لواءها مختلف التجمعات اليسارية التقدمية، وكان هدفها إلغاء الطائفية السياسية، والتغيير الجذري للنظام السياسي في لبنان.
-    نحن من حاول دائماً التهدئة، والمحاولة دون الوقوع في الفتنة بعد اغتيال المعلم بحكمة الرئيس وليد جنبلاط، والشيخ محمد أبو شقرا رحمه الله.
-    نحن من اسقطنا اتفاق 17 ايار المشؤوم، وحاربنا، وصمدنا، وقدمنا الشهداء على مذبح الوطن ليبقى لبنان .
-    نحن من قمنا بمصالحة الجبل التاريخية بقيادة الرئيس وليد جنبلاط و غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير رحمه الله .
-    نحن من قدنا ثورة الأرز التي حققت استقلال لبنان الثاني.

واستمرينا في أدائنا السياسي رغم كل الصعوبات والتهديدات والمخاطر، ومحاولات التهميش والمحاصرة، قلقين على لبنان، على أمنه واقتصاده واستقلاله. وكانت لنا وقفات مشرفة في توحيد الصف، والتعالي على الجراح، وتجاهل أبواق الفتنة المأجورة، وتقريب وجهات النظر من أجل لبنان.

لكن يا معلمي الشهيد، لأنه قدرنا في الحياة السياسية اللبنانية من بعد استشهادك أن نختار أفضل الخيارات المتاحة بسبب انقضاض محاور الطامعين على بلدنا، وإيماناً منّا بضرورة المحافظة على المصالحة وعدم جرّ البلاد إلى خلافات وصراعات داخلية، وكي لا نبقى لوحدنا معارضين للفرصة الذهبية لازدهار لبنان كما زعم البعض، كان لا بدّ أخيراً أن نوافق على التسوية عام 2016، والتي دخلنا معها مجدداً إلى عالم الفوضى والمحاصصة والسرقة والاستبداد، وقمع الحريات والهيمنة على ممتلكات الدولة ومراكزها. وشهدنا من خلالها أيضاً خطاباً طائفياً كريهاً يؤكد ولاء البعض للقوى الخارجية، وإصراره على تنفيذ مخططاتها، ولو على حساب ما تبقى من الوطن. ورافق هذا الجو المشحون سوء إدارة لشؤون الناس على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بحيث وصل بنا الفساد إلى حافة الهاوية. 

في ظل كل هذه المعضلات المرفقة بصراع المحاور الدولية، انتفض الشعب المقهور على الفاسدين، ثائراً حيناً، تائهاً أحياناً ما بين مطالبه المعيشية ومواجهته لحكامٍ متمسكين بمناصبهم غير مكترثين لكل هذا الزلزال الشعبي، ومفتّشين عن مخرج لهذه الأزمة، ومحاولين الخروج من حبل المشنقة ليس من أجل الفرار، بل إلى صيغةٍ أخرى تضمن لهم بقاءهم وتحقيق مطامعهم. وبالطبع لا يمكننا أن نتجاهل محاولة استغلال الثورة من الأفرقاء السياسيين المحليين، والقوى الإقليمية والدولية لتلتقي في مكانٍ ما مع مصالح كل منها. 

في سياق هذه التطورات، وبعد لمحةٍ سريعة عن نضال طويل للحزب التقدمي الاشتراكي، تجدر الإشارة إلى أن ما بين الثورات التي قام بها الحزب، وخاصةً في عام 1973 التي قادها المعلم الشهيد كمال جنبلاط على رأس "الحركة الوطنية اللبنانية"، وبين ثورة 17 تشرين الأول 2019، هناك أهداف مشتركة، وحلم واحد، وأعداء متشابهون بالجهل والظلم والحقد والتعصب والفساد.

هل ستستطيع الأشباح البائدة التي أحبطت إرادة التغيير لدى الحركة الوطنية عام 1976، أن تُفشل مسعى الثورة الحالية؟ 

هل ستحوّل قوى الظلام الثورة إلى حرب أهلية؟ أم سينتصر حلم كمال جنبلاط بعد ستة وأربعين عاماً؟