كمال جنبلاط المفكر والثائر في سبيل مجتمع أكثر إنسانية

مهدي كنعان |

لم يمضِ كمال جنبلاط في دربٍ أو مسلكٍ إلا وذهب في أبعاده إلى حيث لم تطئ قبله قدم، متمحصاً أدق التفاصيل، مرتوياً حتى الثمالة والإكتمال. وكأن له سحره الخاص بحيث تتكشف أمامه عنوةً كلُّ الحقائق، فهو صديق العلماء والفلاسفة السابقين وصديق معاصريه وربيبهم، هو معلم الأجيال اللاحقة ولأجل بعيد.

هو كمال بك سليل العائلة الجنبلاطية المقتدرة، ما جعله يتتلمذ على أيدي كبار المعلمين بدءاً من مدرسة عينطورة، مروراً بالجامعة الياسوعية، وصولاً إلى جامعة السوربون في باريس، هذا على المستوى الأكاديمي.

وهو على المستوى الروحي، من الموحدين الدروز أتباع الحكمة التي تتخذ من الإسلام ديانةً، لكنها تبحر في أعماق الفلسفة لتبلغ أصقاع اليونان وفلاسفتها من أفلاطون وأرسطو إلى سقراط وفيتاغورس إلخ... وهذا فتح الباب أمام جنبلاط على مصراعيه لفهم أصولَ دينه، وكلَّ الديانات التي انطلقت دعواتها من هذا الشرق، ثم للتوغل بعيداً في أصول باقي الديانات القديمة من البوذية، إلى الهندوكية وغيرها...

ليس هذا فقط بل اجتهد في أبحاثه عن أصول المجتمعات، متعرفاً على كل الأفكار والنظريات بحيث تبنى أفكار المنظرين كلياً، أو جزئياً (منهم منظّري الإشتراكية) ساعياً لتطويرها وتصويبها، وتناقض مع بعضهم معللاً بالعلم إنتقاداته المُحْكمة لهم (منهم منظّري النظام الرأسمالي).

إلى أن أوجد لنفسه إيديولوجيا أو عقيدة خاصة تجسدت في الحزب التقدمي الإشتراكي، وصياغة نظرية متكاملة، مستعيناً لتأسيسه بنخبة من أصحاب الفكر اللبنانيين، متأثراً بالأفكار الإشتراكية التي تسابقت إلى تحسين وضع العمال عشية ما سمي بعصر النهضة، وما رافقها من نشوء الدول الصناعية، متبصراً بأن أصل الإشتراكية إنما هو مسلك حياة المبشرين الأوائل (المسيح، وكل مسيح ...)، دون أن يستعدي الرأسمالية بالمطلق، بحيث أعطى أهمية للملكية الخاصة مشترطاً أن تكون هذه الملكية إجتماعية في جوهرها، معتبراً أنها مرتكز حرية الفرد، وطمأنينته، واستمراره، وبقاء الأسرة، وعامل إنتاج، وحافزاً للمبادرة الشخصية (1). إضافة إلى وضعه الديمقراطية في مرتبة عالية في كل مفصلٍ من مفاصل نتاجه.

لقد اجتهد كمال جنبلاط كثيراً، ولقد تفوق على نفسه مراتٍ ومرات، قبل أن تربع على عرش لقبه الأهم والأحب على قلوبنا "المعلم". وهو الذي وضع زبدة أفكاره وتجربته الحية في مشروع سياسي، لم يكن منسجماً مع أيٍّ من الأنظمة السائدة في العالم العربي، منطلقاً من "أن الغاية لكل عمل ومؤسسة بشريَّين هي تفتح كامل ومتناسق لمقدور الفرد... هذا الفرد هو الإنسان الذي علينا أن نبلغه ونصيره... وإن المجتمع في كل مؤسساته ليس غاية بل وسيلة إلى بناء الإنسان (2). "فالدولة تقدّس أو تلعن، تَخصُب مؤسساتها أو تَعقُم بقدر ما تخدم أو لا تخدم هذا الإنسان" (3).

هذه النظرية الجديدة للإنسان مبنية على نظرية وحدة أو كليّة الوجود التي يأخذ بها كمال جنبلاط المبنية على رفض القول بتقدم المادة، ورفض فكرة ثنائية المادة والروح واعتبار أن ما في الوجود هو تجلٍّ لهذه الطاقة اللطيفة أي الله (عز وجل)، التي انبثقت عنها الموجودات بعضها عن بعض عن طريق التحول التدريجي البطيئ عبر ملايين السنين. هي الحقيقة الأخيرة للوجود التي يطلق عليها إسم الحق، أو المطلق، أو الله (عز وجل) فالإنسان من هذا المنطلق هو خاتَم الموجودات والتجلي الأرفع لهذا المطلق لأنه ذو فكر (4).

أما الحديث عن تراث المعلم كمال جنبلاط وعن هذا المشروع السياسي، الإجتماعي، الفكري عموماً قد يطول، لكننا سنقتضب الحديث عن هذا النتاج الكبير لنقول: أنه كتب في الأدب والفلسفة، كتب في السياسة والإجتماع، وفي جميع العلوم الإنسانية، كما طرق أبواب الشعر، وباقي العلوم الطبيعية. نستحضر هذا الكبير في ذكرى ميلاده من خلال استعراض آرائه في بعض الأمور أو المسالك:

1- المسلك البيئي: لقد تحدث كمال جنبلاط عن مساوئ الحياة المدنية، وانغماس المجتمعات في الإستهلاك. ونبّه لأخطار التلوث، وشدد على ضرورة معالجة مصادرِهِ، والحفاظ على سلامة البيئة الخارجية ونظافتها كشرط ضروري لصحة الإنسان الجسدية والعقلية والنفسية.

2- المسلك الإجتماعي: إعتبر أن الكائن البشري هو ابن بيئته الإجتماعية، ووجوده مرتبط بوجود الأُسرة، لكن إنسانيته لا تتحقق إلا بانسجامه مع المجتمع من خلال التجمعات الأهلية، النقابية، الوطنية، القومية، والقارية، وصولاً إلى ما يسميه التكور البشري، ويقول: "إن تيار الوعي والحرية، وتيار المجتمع البشري المتعاكسان ظاهرياً لا يمكن فصلهما جوهرياً ... فإنسانية الإنسان التي يُرمز إليها بالوعي والحرية لا تتحقق بصورة عامة إلا بانسجام الإنسان مع المجتمع (5).

3- المسلك السياسي: على النظام السياسي، وعلى الجماعة أن يتعاونا ويتضامنا من أجل تنقية الجو الإجتماعي من كل عوامل التعصب (الطائفي، والعنصري) ومكافحة آفات المجتمع (مخدرات، عصابات النهب المنظم)، والمساواة بين أبناء المجتمع (حقوق المرأة، الطفل، العمال الأجانب، حقوق أبناء اللبنانيات) والعمل على الترابط والتضامن والتعاون بين المواطنين. "إن المجتمع كلٌّ عضوي حيويته بتنوعِه ... يكون لكل عمل فيه كرامته ولا تفضل مهنة مهنة إلا في مبدأ تأمين انتظام المجتمع واستمراره وترقيه نحو الكمال" (6).

4- المسلك الفكري: يشدد كمال جنبلاط على أهمية تعزيز الحياة العقلية. فالمعرفة عنده هي مرتكز جميع أنواع النشاطات الفردية والإجتماعية والحكومية، والعامل الأساسي للتنمية في جميع الميادين الإقتصادية والإجتماعية والسياسية. ولأن لها هذا المقام في تطور الفرد والجماعة يعتبر المعلم أن أحد أهم مبررات وجود الدولة هو تأمين المدارس والمختبرات ومراكز الأبحاث والمعاهد والجامعات وإزالة كل الحواجز التي تعيق تقدم البحث العلمي وتقصي الحقيقة ونشر الفكر "تأمين التعليم إلزامياً ومجانياً في جميع مراحله ... وتوجيهه إلى نشر الحقيقة ونواميس الأخلاق ... بحيث يستشرف تحقيق الإنسان الكامل فرداً ومواطناً" (7).

5- المسلك الثقافي: العمل على تنقية الأجواء وجعلها عنصر مساعد على تفتح طاقات الفكر، وعلى اكتساب المعرفة،... واستخدام السينما والمسرح، والموسيقى في تهذيب الشعب وتنمية شعوره الفني وقواه العقلية والنفسية (8)، كمقدمة لاكتشاف المزيد من القدرات والكفاءات الشابه.

6- المسلك الإقتصادي: يدعو المعلم إلى تحقيق العدالة الإجتماعية من خلال توزيع الثروة توزيعاً عادلاً، لسد حاجات المواطن الطبيعية الأساسية، ويوفر له الظروف التي تشبع حاجاته إلى التقدم والتنمية، (خلق فرص العمل)، محدداً أسس مجتمع الكفاية والعدل (9). التي تجاوز من خلالها إشتراكية ماركس وتناقض مع الرأسمالية، التي ضاعفت الفوارق بين أرباب العمل، وكبار التجار، وأصحاب النفوذ من جهة، وباقي طبقات المجتمع الذي تحولت إلى طبقة الفقراء حيث البؤس والتخلف، إذ باتوا يناضلون من أجل الحصول على السلع الضرورية لحياة كريمة وإن بالحد الأدنى، ويعجزون عن دفع الفاتورة الطبية، في خضم إنفلاش الأمراض كنتيجة لإرتفاع منسوب التلوث، وتردّي البيئة.

7- المسلك السياسي: إن النظام الذي يضبط علاقات الناس بحسب المعلم هو نظامان، واحد للمجتمع وآخر للفرد:
أ- نظام المجتمع (10): إنه نظام ديمقراطي جديد، ينطلق من إصلاح النظام الديمقراطي البرلماني مركزاً على دور نخبة العلم والمعرفة "التكنوقراط" ويضع جنبلاط من أجل ضمان إستقامة السلطة المبادئ التالية (11):
- مبدأ فصل السلطات، من خلال إعطاء السلطة القضائية الإستقلالية التامة، ورفع يد السياسيين أو السلطة التنفيذية عن القضاء.
- تقوية السلطة التنفيذية: والتي تتمثل اليوم بمجلس الوزراء مجتمعاً، فكل المطلوب أن يكون على رأس كل وزارة من هو أهل لما يتوجب عليه من مهام. وهي نفسها اليوم مطالب ثورة 17 تشرين 2019.
- مساواة المرأة بالرجل واليوم من المهم إيجاد حل لأبناء اللبنانيات المتزوجات من غير اللبنانيين، سواء كان ذلك بإعطائهم الجنسية، أو أي حل آخر يميز هذه الشريحة عن باقي الأجانب.
ب- نظام الفرد (12): يقصد به المعلم مجموعة القيم الأخلاقية، والمعنوية، والروحية التي تحدد علاقة الإنسان مع ذاته ومع الآخرين. وبنظر كمال جنبلاط يلعب الدين دوراً بارزاً في غرس هذه القيم في الفرد، شرط أن لا يكون "مظهراً للتعصب والتحجر الفكري والتمسك التقليدي كما يتصور البعض - إنما الدين على حقيقته من حيث هو باب يُشرف منه الإنسان على حقيقته التي هي حقيقة الوجود، ونورٌ يبدد عتمة المعتقدات ويتعداها، فالدين مسلك وطريق وليس غاية وقبلة ومحجة" (13).
خلاصة القول: لقد بنى المعلم كمال جنبلاط مشروعه السياسي هذا على الخبرة والعلم (14)، فكان رفضاً للتقليد القائم على الطائفية السياسية، وعلى التمييز بين الإنسان وأخيه الإنسان، وكان الهدف من كل ذلك إحداث إنقلاباً شاملاً على عدة مستويات:
- على مستوى الفرد: تحجيم أنانية الفرد والتبدل في نفسيته وارتقائه على سلم الإنسانيه، والتوسع في الآفاق الفكرية، والتبصر في أعماق الأمور وعدم الإكتفاء بسطحيتها، والإرتقاء بسلوكيات هذا الإنسان (أخلاقياً، إجتماعياً، إقتصادياً، سياسياً). فلكل من هذه الأمور مسلك خير ومسلك لا يخلو من الشر تقودنا إليه المصالح، وعلينا تحاشيه.
- على مستوى المجتمع: يطمح المعلم كمال جنبلاط إلى مجتمع "الكفاية والعدل" مجتمع تسوده "العدالة الإجتماعية والإقتصادية المتكاملة" (15)، "من كل امرئ حسب قدراته، لكل امرئ حسب حاجاته" (16).
- على مستوى الدولة والنظام السياسي: لقد كان جنبلاط واضحاً في دعوته لعلمنة الدولة، وإلى تغيير النظام الطائفي الذي بدأ ينتج نفسه، واستطراداً نقول وعلى الرغم من اتفاق الطائف وما جاء به من تطورات على النظام، غير أن سلوكيات السلطة أجهضت العديد من إيجابياته، بحيث وجدت في قوانين الإنتخابات التي تحيكها وتغزلها، فرصةً لإعادة إنتاج نفسها، وتضاعُف مقاعد حلفائها على حساب خصومها، ما يجعل التاريخ يعيد نفسه، فترانا نطالب من جديد بالحل الذي نادى به المعلم يومذاك، لاسيما إنتخابات نيابية على أساس القانون النسبي على أن يكون لبنان دائرة إنتخابية واحدة، وخارج القيد الطائفي. وهو القانون الذي رفضته الرجعية في الماضي، وحبذا لو تكون هذه الرجعية قد اندثرت ولغير رجعة، ولا تكون قد بدّلت في ملابسها، وأسماء أتباعها، ولا تزال حاضرة تتربص بنا، وجاهزة لقطع الطريق على أي تطور، أو ربما تهدد باستحداث قوانين تحصِّن ظروف الدويلات داخل الدولة، وتجعلنا نترحم ربما على دولة الطائف والجمهورية الثانية، التي مما لا شك فيه أنها تترنح في طريقها إلى السقوط المدوي. وأختم بالسؤال الكبير أي نظام ينتظرنا؟ وأية جمهورية ثالثة؟! والسلام.  

(1) الديمقراطية الجديدة، فصل بعض تطبيقات الإشتراكية التقدمية، ص 28 و 29.
(2) ميثاق الحزب التقدمي الإشتراكي، ص 6.
(3) المصدر نفسه، ص 55.
(4) المصدر نفسه، ص 14.
(5) المصدر نفسه، ص 29.
(6) المصدر نفسه، ص 30.
(7) المصدر نفسه، ص 78.
(8) المصدر نفسه، ص 21.
(9) ثورة في عالم الإنسان، فصل مجتمع الكفاية والعدل.
(10) أدب الحياة، فصل أدب السياسة.
(11) ميثاق الحزب التقدمي الإشتراكي، ص 33 - 34 - 64.
(12) أدب الحياة، فصل أدب السياسة.
(13) فيما يتعدى الحرف.
(14) ميثاق الحزب التقدمي الإشتراكي، ص 39.
(15) الديمقراطية الجديدة، فصل مصادر الإشتراكية الإقتصادية، ص 14.
(16) المصدر نفسه، فصل المبدأ الأساسي للإشتراكية الإقتصادية، ص 23.