السلطة والدولة وأشكال المشاركة!

وهيب فياض |

مما لا شك فيه ان السلطة في لبنان هي بالكامل مغايرة للدولة.

الدولة هي الدستور والقوانين والأنظمة والمؤسسات الدستورية والقانونية والإدارات الرسمية.

اما السلطة فهي من يدير هذه الدولة، التي تدار في لبنان بأعلى ما عرفته الدول من مستويات الفساد واللا مسؤولية والطمع بالغنى والمناصب، والتمسك بالامتيازات على حساب الشعب الذي تحكم باسمه، مستولية على الدولة بغير وجه حق. 

المشاركون في السلطة في لبنان على ما فرضته تركيبته ومكوناته، نوعان:

مشاركون بالفعل اي برضاهم واختيارهم، وهم طغمة استولت على مقدرات الدولة، خدمة لمصالحها. 

ومشاركون بالقوة، اي غصبا عنهم، وهم ممثلو جمهور المسحوقين المنهوبة حقوقهم وأموال دولتهم وهي بالنتيجة أموالهم وهولاء موجودون في كل شارع من شوارع مكونات هذا الوطن في الطغمة الحاكمة، ومن يمثلونهم في السلطة يجلسون على كراسي الحكم كالأيتام على مأدبة اللئام، يعانون من التهميش ولو رفعوا الصوت، وقلة العدد،؟ ولو انتموا الى كتل وتكتلات وتحالفات، ومنهم من يغريه وهج السلطة فينظّم بالممارسة الى مجموعة السلطة الفاسدة، ومنهم من يبقى على وفائه للأفكار التي أوصلته الى كراسي السلطة نيابية كانت او وزارية او ادارية. 

الدروز في لبنان، الممثلين غالبا بوليد جنبلاط واستتباعا بالحزب التقدمي الاشتراكي، ذي الأغلبية الدرزية بحكم اعوجاج النظام ،المشاركون في السلطة منذ عام 1992، قد يكونون متفرّدين دون سواهم في جمع الصفتين صفة المشاركة بالحكم بالفعل وصفة المشاركة بالقوة. 

ومشاركتهم بالفعل اي برضاهم، ناتجة عن كون جميع أدوات السلطة المكونة للدولة، حسب النظام الأعوج السائد، تتطلب ضم جميع المكونات الوطنية، وجنبلاط هو الطرف الأكثر تمثيلًا للمكون الدرزي . 

اما مشاركتهم بالقوة فهي ناتجة عن طبيعةالحزب الاشتراكي وشارعه، اللذين لا تشبههما السلطة في شئ، والفصام غير القابل للعلاج بين موقعه الطبيعي في المعارضة، وموقعه المحكوم بطائفية النظام في الموالاة والحكم، والموقعان توأم سيامي، غير قابل للفصل، الا بجراحة لا يقدم عليها سوى جراّح متميز.

متميز وجريء وشجاع من استشرف ضرورة فصل التوأم السيامي حين ميّز نفسه عن بقية الطغمة السياسية الحاكمة، بنقدها وتعريتها، مع جلد نفسه في احيان كثيرة من باب المغالاة في الثقة بالنفس بالقول انه من الطبقة السياسية، ومن حيتان المال، وممن يتحملون مسؤولية وصول البلد الى الانهيار. 

ومتزن حين أعلن من اليوم الاول للانتفاضة ان على الحكومة ان تستقيل، وفي نفس الوقت بقي في مركب الحكومة الى جانب ربانها ولم يقفز قبله. 

وعاقل حين يفرّق بين السلطة والدولة ، فيهاجم السلطة ويعلن الولاء للدولة. 

ورجل دولة حين قرر فصل الشارعين الموجودين أصلا بين جمهوره ومحازبيه، واوجد تصنيفًا جديدًا حين أعلن من جهة ان عقل مؤيديه وقلبهم هو مع الحراك والثورة، منصفا فكر وخط حزبه، ومن بقيوا اوفياء لهذا الخط والفكر وهم الأكثرية. 

ومن جهة اخرى انتفض على تجربة المشاركة في السلطة ونقدها وعرّاها، وقال انه لن يعود اليها، بل سيتفرغ الى ورشة عمل داخل حزب، نخرته الحرب، وزادت في نخره تجربة ركوب عربة السلطة، لدرجة ان الأنقياء فيه ابتلعوا ألسنتهم خوفا من ان تفضح عدم رضاهم عن مسار الغرق في لعبة السلطة ومفاسدها. 

لقد فك وليد جنبلاط أسر من سجنتهم ممارسة السلطة من مريديه، ووهبهم دون ان يطلب ثمنًا، للثورة التي هي مكانهم الطبيعي، علّ الثورة اذا تلقفتهم، تكون قد تلقفت دمًا غنيًا بالاوكسيجين الذي تحتاجه، بمقدار ما يحتاجها. 

اما ورشته للإصلاح في حزبه فبدايتها الحكمية يجب ان تكون فرز ا واضحا بين اهل السلطة بالقوة وهم حجر الأساس وعامود البناء وأهل السلطة بالفعل وهم من أوصل التجربة في السلطة الى درجة الغرق في مفاسدها. 

تأخر وليد جنبلاط في القفز من سفينة السلطة، ربما، الا انه وقف برجولة مشرعا صدره لدفع ثمن هذا التأخير. 

ولكنه بدون شك تقدم على غيره بتحرير شارعه، وحل وثاقه ليكون رافدا من روافد الثورة على اهل السلطة، متمسكا بانحيازه للدولة النقيضة للسلطة التي سجنت الدولة والوطن لثلاثين سنة. 

ان شارع التوأم السيامي الذي يخضع لعملية فصل صعبة  مدين لجرأة وشجاعة واتزان وعقلانية  جراّحه البارع، بكل الهدوء والعقلانية اللذين تفتقدهما الشوارع الاخرى