استثمار في التوتر والفوضى... وهذا هو المشهد المطلوب استحضاره!

ربيع سرجون |

أصبحت اللعبة واضحة. القوى السياسية المستحكمة في السلطة لا تزال في مكانها وموقعها، بينما المتظاهرون لا يزالون على مطالبهم. وتعنّت القوى السياسية في تقديم تنازلات يدفعها إلى البحث عن سبيلٍ لاختراق التحركات. وهذا أصبح أكثر من واضحٍ وجلّي، سواءً بدسّ العديد من الشخصيات والمجموعات بين جماعات الإنتفاضة لاختراقها وحرفها عن مسارها، ووضعِها في إطار سياسي يخدم وجهة نظر بعض القوى الساعية للاختراق لتمكين نفسها، ولتصفية الحسابات مع خصومها، أو من خلال العمليات الأمنية التي بدأت بتنفيذها منذ يوم الأحد، واستمرت الإثنين في بيروت وصور، لتتوسع الثلاثاء إلى بعلبك.

غاية هذه القوى السياسية أصبحت واضحة، وهي العودة إلى اصطفافاتٍ مذهبية وطائفية عبر محاولة الاستثمار بالتوتر والفوضى لإعادة رسم الخطوط السياسية السابقة على قاعدة الانقسام العامودي، إذ تعتبر هذه القوى أن قوتها تتجلى هناك، بينما في كلّ التحركات المدنية والسلمية، المتخطية لأي طائفية أو مذهبية، تمثلّ تهديداً لهذه القوى التي تستثمر بالانقسام المذهبي، والتعصب المناطقي والطائفي.

ولذلك لم تكن التوترات التي حصلت في منطقة الشياح- عين الرمانة، وفي طرابلس مسألة تفصيلية، بل هي في إطار الألعاب الخبيثة التي تلجأ إليها بعض القوى الساعية لضرب تظاهرات الناس والقفز فوق مطالبهم، خاصةً أن ما حصل في طرابلس كان يهدف إلى استدراج الجيش لمواجهة مع المتظاهرين، أو للإيحاء عبر عناصر مندسّة في التحركات بأن المدينة، التي تستمر فيها الإنتفاضة منذ أكثر من أربعين يوماً، لم تعد آمنة، ولا بدّ من إعادتها إلى ما كانت قد أُسبغَ عليها من قبل بأنها عاصمة للإرهابيين.

هذا المشهد الذي أُريد إعادة إنتاجه بالأمس من خلال الهجوم المدبّر على مركز التيار الوطني الحرّ لتقديم صورةٍ وكأن المدينة السنّية الأكبر في لبنان يعتدي متظاهرون فيها على مكتبٍ لتيارٍ مسيحي، وبالتالي استعادة الاصطفاف المذهبي، وضرب التحرّك الوطني الذي شهدته طرابلس. ولا يمكن إغفال أن تستمر المخططات لإعادة إشعال جبهات الاشتباك في عاصمة الشمال بمشهدٍ يذكّر بأيام جولات القتال بين جبل محسن وباب التبانة، وهو ما سيضرب تحرّك المدينة.

المشهد في بكفيا لم يعد بعيداً عن استمرار التوتير الأمني. فالتيار الوطني الحرّ دخل على الخطّ أيضاً في نقل المعركة إلى جعلها مسيحية- مسيحية، وهو يحاول استعادة لعبةٍ قديمة كان يلعبها بأنه صاحب الشرعية بينما الآخرون خارجون عن الدولة، وذلك بهدف استعادة الالتفاف المسيحي حوله. كل ذلك يجري لأن التيار الوطني الحرّ لا يزال يرفض تقديم أي تنازل لمطالب الناس.

هذا التعنّت يتجلى بالشروط التي لا يزال يفرضها الوزير جبران باسيل في عملية تشكيل الحكومة، فهو لا يزال مصراً على أن يتمّ توزيره، كما أنه لا يزال مصراً على توزير وزراء كانوا في الحكومة المستقيلة. وحتى عندما بدأت المفاوضات مع الوزير السابق بهيج طبارة لترؤس الحكومة، فإن ما دفعه إلى الاعتذار عن الاستمرار بالمهمة هي الشروط التي فرضها باسيل، ومن بينها أنه طالب بأن يكون الوزراء المسيحيون جميعهم من حصته.

هذا النوع من التلهي استمرّ في مسألة تسريب اسم سمير الخطيب كمرشحٍ محتملٍ لتولي رئاسة الحكومة، الأمر الذي عبّر عنه الرئيس نبيه بري بمنتهى الصراحة بأن هناك من يقوم بعملية إحراق لهذه الأسماء، وهو ما يعني أن كل ما يجري هو مناورات هدفها الاستثمار في الوقت، وتضييعه وإهدار جهود اللبنانيين، وإجهاض أحلامهم وتأملاتهم على مذبح الحسابات والمصالح السياسية، وذلك باستخدام الألاعيب الأمنية على قاعدة، "شروطنا أو الفوضى"، وكما كان الشعار سابقاً: "مرشّحنا إلى رئاسة الجمهورية، أو الفراغ".