إقتراحان إقتصاديان سريعان: قيود على حركة رأس المال وضريبة على حسابات المليارات!

محمد بصبوص |

بعدما سقط النموذج الاقتصادي الذي اعتمده لبنان منذ أواسط السبعينيات، هذا النموذج الذي قام على الخدمات، والمضاربات المالية والتجارية، والعقارية، وذلك بعد إجهازه الممنهج على البنى الإنتاجية، استجدى صموده لسنواتٍ طوال من خلال رفع أسعار الفائدة بهدف استقطاب العملات الأجنبية من الخارج ليمتصها مصرف لبنان، فيكدّس احتياطه لتثبيت سعر الصرف، وتمويل عجز الخزينة، و لخلق ثقة تخوّله النجاة من الغرق في دورة لا- متناهية من الاستدانة. 

تهاوى النظام بعد ضربه لكافة مقومات النمو، وبات الإعلان الرسمي لهلاكه معتمداً على حرّاسه "الأوفياء" الذين انفضّوا من حوله، جدداً وقدامى، خشية إدراجهم في خانة "الآسفون" عند إصدار ورقة النعي...

ها هم أنفسهم، حماة الهيكل الريعي، يمتطون الشاشات ومنصات المواقع الإخبارية وتواصلها الاجتماعي، متبرّئين من دم "صِدِّيقهم"، مهلّلين ومبتهلين بشعارهم الجديد، "لا للنظام الريعي، نعم للإنتاج". شعارٌ كادوا له كيد "أخوة يوسف" على مدى سنواتٍ وعقود، متنعمين من فضائل فوائد سنداته الخيالية، وخيرات هندساته المالية، ونعيم جنّاته الضريبية... 

كانت وجوههم الحاقدة تفيض قيحاً كلما ارتفع شعار "أنسنة الاقتصاد بهدف تعزيز العدالة، وحماية الأمن الاجتماعي". وكانت الوجوه تكفهر كلما تناهت إلى أسماعهم طروحات تسعى إلى فرض بدلاتٍ مرتفعة لاحتلالهم الأملاك العامة البحرية وغيرها، والى تفكيك النظام الضريبي الجائر، وإلى صياغة نظام منصف يعتمد بأساسه على الضريبة المباشرة، ويعيد توزيع الثروة بشكل عادلٍ من خلال فرض الضريبة التصاعدية على دخل الشركات (بما فيها شركات الأموال)، والذي يجب أن يتضمن، حكماً، الإيرادات الناتجة عن فوائد التوظيفات والإيداعات المصرفية، بالإضافة طبعاً إلى ضريبة على الثروة... عندها استلوا سيوفهم وأقلامهم المسمومة دفاعاً عن "جنةٍ ضريبية" وظّفوا كل ما يملكون من ماكيناتهم الترويجية بهدف "تلميعها" زوراً  كملاذٍ لاستقطاب الاستثمارات الخارجية، فكانت لهم وحدهم "جنّتهم" الحصرية التي قوننت ترَكُّز ثرواتٍ تراكمت قياسياً وخيالياً إلى رساميلهم الريعية المتوحشة... 

وأضحى لبنان عالمياً من ضمن أسوأ سبع دولٍ من حيث ترَكُّز (عدم العدالة في توزيع) الثروة (Global Wealth Databook 2018 – Credit Suisse)، إذ شكّلت نسبة الذين يملكون ثروة  تقل عن 10 آلاف دولار 77.4 % من إجمالي البالغين، أي ما يوازي 3،221،388 شخصاً، بينما شكلت نسبة الذين يملكون ثروة تزيد عن مليون دولار 0.3 %، أي ما يوازي 12,848 شخصاً فقط!!!

أما الأدهى فيُستخلص من تقرير "صندوق النقد الدولي" الذي يشير إلى أنَّ "الحسابات المصرفية في لبنان هي شديدة الترَكُّز"، إذ يبيّن أنَّ ما يقل عن 1% من الحسابات المصرفية تحوي على 50% من مجمل قيمة الودائع، وتشير مصادر أخرى إلى أنَّ ما يقل عن 0.2%  من الحسابات المصرفية والتي تحوي على ما يزيد عن 31% من مجمل قيمة الودائع!!!

وتشير هذه الوقائع بلغة الأرقام إلى ما يلي:

 

• يحوي 5890 حساباً مصرفياً على ما يزيد عن 53 مليار دولار. أي أنَّ 0.2% من مجمل الحسابات تحوي على 31.64% من مجمل قيمة الودائع.

• يحوي حوالي مليون وسبعماية واثنان وخمسون ألف حساباً مصرفياً على مليار وماية وثلاثة وأربعون مليون دولار، أي أنَّ 59.65% من مجمل الحسابات تحوي على 0.68% من مجمل قيمة الودائع.

• يحوي حوالي تسعة وعشرون ألف حساباً مصرفياً على حوالي 84 مليار دولار، أي أنَّ 1% من مجمل الحسابات تحوي على نصف قيمة الودائع الإجمالية.

أمام هول هذه المؤشرات التي تدل على مدى الفصل الطبقي (Social Class Segregation) الذي هشّم النسيج المجتمعي للبلد، وفي ظل الأزمة المالية النقدية المستفحلة، والمرشحة لمزيد من التعقيد والتصعيد، يتنطح بعض فقهاء الاقتصاد الريعي وحرّاسه، والذين دأبوا سابقاً على تحميل "سلسلة الرتب والرواتب" وزر تصدّع الهيكل، ها هم اليوم يعودون لمغالاتهم، مشيرين ببنانهم إلى صغار المودعين متهمينهم زوراً بسحب وتخزين ملياراتٍ من العملة الخضراء في خزائنهم المتواضعة، وكل ذلك بهدف تحميلهم زوراً إثم سياساتهم الرعناء التي أوصلت الأمور إلى ما وصلت اليه. تغاضى هؤلاء عن بياناتٍ موثّقة، تشير بما لا يحمل الشك إلى أنَّ ما يزيد عن 10% من مجمل الودائع التي تعود لفئة أل"0.2%" من الحسابات الكبرى قد تمَّ تهريبها إلى خارج البلاد!!!

بناءً على ما تقدم، وكي لا تبقى إجراءات "أبغض الحلال" التي فرضها مصرف لبنان استنسابية، وتطبّق على صغار المودعين فيما يبقى كبارهم "محرّري القيود" بفضل شراكتهم، أو نفوذهم، أو مونتهم على المصارف، فلا بد من اللجوء إلى الإجراءات الطارئة التالية:

• ضرورة تطبيق مضمون قرار حاكم مصرف لبنان القاضي بزيادة أموال المصارف الخاصة الأساسية بنسبة 20%، واتخاذ إجراءات عقابية بحق المصارف المخالفة.

• ضرورة تشريعٍ سريع للقيود الرسمية على حركة رؤوس الأموال (Capital Controls)، وذلك منعاً لاستنسابية المصارف التي تطبّق الإجراءات بحزمٍ على صغار المودعين، بينما تبقى مرنة حتى التفلّت على كبار المودعين. وبالإضافة إلى وضع ضوابط جذرية لظاهرة "سماسرة المصارف"، والتي باتت شبه علنية في مسعاها "لتخليص" المودعين من قيودهم لقاء نسبٍ ماليةٍ سخيةٍ!!!

• أما الفئة التي حقّقت أرباحاً قياسية خلال سنوات "رخاء الدولة وسخائها"، فعليها أن تمتلك الحد الأدنى من المسؤولية الوطنية والاجتماعية والأخلاقية، وأن تبادر إلى المساهمة الذاتية في تصحيح خللٍ نتج عن عدم تطبيق الضريبة التصاعدية على فوائد التوظيفات المصرفية. فقد دأبت فئة أل"1%" من الحسابات الكبرى على تحقيق مكاسب سنوية من هذه الفوائد يفوق مجموعها 8 مليارات وخمسماية مليون دولار سنوياً. فمن خلال تطبيق تصحيحٍ يتمثّل باقتطاع نسبة 30% من هذه الفوائد بمفعولٍ رجعي، يزيد المبلغ السنوي الإجمالي المستعاد عن مليارين وخمسماية مليون دولار سنوياً.

في هذا السياق، يحضر القول الشهير للثري الأميركي بيل غيتس الذي صرّح قائلاً:

"أعتقد أن نظامنا الضريبي يجب أن يكون أكثر تصاعدية، بحيث يدفع الأثرياء حصّة أكبر (...) لقد دفعتُ حتّى الآن عشرة مليارات دولار ضرائبَ، وكان يجب أن أدفع أكثر".

فعلى هذه الفئة أن تبادر طوعاً وسريعاً إلى مساهمتها في تفادي "الانهيار الأكبر". و أما مجلس النواب فعليه أن يبادر سريعاً إلى سنّ قانونٍ بهذا الخصوص.

(*) عضو مجلس قيادة الحزب التقدمي الإشتراكي