لبنان... خريف الاستقلال!

د. قصي الحسين |

أفاق اللبنانيون اليوم، على حفل استقلالٍ بطبعته العتيقة، يجري في اليرزة بحضور ثلاثة رؤساء لثلاث رئاسات لثلاث حصصٍ دسمة للطوائف المهمة. كان الجو بينهم مكفهراً، ويشبه الطوائف التي تناوبت على قتل بعضها لستة وسبعين عاماً، لا لأجل المنافسة على خدمة لبنان، بل لأجل المنافسة على نهب المال العام. كان الرئيس ينظر إلى الرئيس بكل ريبة، ويقول في سرّه: أكل أكثر مني بكمّه، لترضى عنه أمه، على قاعدة: "كل يا كمّي حتى ترضى عنك أمي". وقف المريب إلى جانب المريب، حتى كاد أن يقول: خذوني.

وأما في ساحة الشهداء، فقد أفاق اللبنانيون على حفل استقلال بطبعته الجديدة. فقد استردوا الوكالة من الوكلاء الرسميين، وجعلوها بين أيدي أصحابها الأصليين. نزل الشعب كله يملأ الساحات، قطاعات قطاعات. من النقابات، والأفواج، والطلاب  والتلاميذ، والكتائب والأمواج، والآباء، والأبناء والأمهات والبنات.

 كان الربيع يموج، يضحك، يزهر، يعقد البراعم، وينتظر الصيف حتى تنضج الثمار. بدا على غير عجل من أمره. دهورٌ مضت عليه بانتظار هذة البرهة العظيمة. وما همّه! فقد زرع أقدامه في الساحات فشرشّت فيه. والطقس تشرين، وهو ابن الأرض، يعرف كالخيول الأصيلة، موعد نزول المطر من رائحة التراب. "سقته السحاب الغرّ قبل نزوله، فلما دنا منها سقتها العزائم". 

عذراً حبيبي المتنبي، فقد تصرفتُ بشعرِك حتى تناسب جولات الشباب والطلاب، والجدّات والأمهات، والأبناء والبنات. فالزمان زمانهم بعد صولات سيف الدولة والغزاة البيزنطيين؛ فقد حملوا الأقلام ونزلوا بها، لصدأ السيوف في قرابها، بعدما ارتفعت الجدران على الحدود، حول الثُكن والمنشآت ومنازل القيادات.

نزل الشباب والشابات ونزلت الأجيال من كل الأعمار. نزل الموجوعون... ونزلوا عن جوع، وامتلأت الحناجر بالصراخ القديم الجديد: "بدنا ناكل جوعانين".  وأما الذين استحوا فقد ماتوا. وأما مَن في احتفال اليرزة، فهو ينتظر.

 لبنان اليوم يجدّد جلده، مثل الحية، رمز الحياة.  ينظر في الصورة الرسمية، فيرى الأديم والإهاب والجلود المرقّعة، تتساقط في الأثير والغسق الأخير، فتنبت الخزعات والجينات الولودة في الساحات: ساحة الشهداء، وساحة رياض الصلح، وساحة النور، وساحة دوّار إيليا، وساحة جونية، وساحة جبيل، وساحة بعقلين، وساحة بيت الدين، وساحة كفرّمان، وساحة النبطية، وساحة بعلبك، وساحة حلبا، وساحة صور.

ومن هناك، تسافر أليسار على ظهر قدموس تشق البحار إلى المهاجر، تستدعيهم لعرس الاستقلال، فيهبّون إلى المطارات، زرافاتٍ ووحدانا، ولو كره الرئيس العجوز.

كتبت إليّ ابنتي صبا من هيوستن تقول:  بعتلي تقرير عن أحداث اليوم: الواقع فيه 22 تشرين الثاني 2.19، من وجهة نظرك. فإليها أقول:
 هذا هو لبنان خريف الاستقلال، يا ربيع لبنان...
 
(*)  أستاذ في الجامعة اللبنانية