"استقلال"!

م . أديب مهنا فياض |

قام لبنان على إمارة فخر الدين الثاني المعني الكبير، والتي امتدت من تدمر شمالاً إلى عكا جنوباً، وولاية دمشق شرقاً، والبحر المتوسط غرباً، في ظل حكم الخلافة العثمانية. وخلال هذه الفترة حيكت المؤامرات، ودُسّت المكائد، وانتهى الحكم دموياً، وورثه حقّادٌ من آل شهاب وعلى رأسهم بشير الشهابي، الناكث لكل المواثيق والعهود بحفظ حقوق من أتوا به للإمارة، والذي تنقّل بين الطوائف اللبنانية جميعها تقريباً. 
وبعد اضطرابات متعددة وصلنا إلى القائمقاميتين، ومن ثمّ حكم المتصرفية، وبعدها ما يسمى الاستقلال المزيّف الذي كانوا يعدّون له سراً بتركيبةٍ معينة، وتحت لواء رجال دين.
عام 1952 قامت الثورة البيضاء ضد تمديد ولاية الرئيس بشارة الخوري، وأوتيَ بكميل شمعون، فتى العروبة الأغر، رئيساً للجمهورية الذي حذا حذو الشهابي بشير، وعمل على التناقضات داخل الطوائف بتأليبها بعضها على بعض إلى أن فصّل قانوناً للانتخابات عام 1957، للإتيان بنوابٍ يمرّرون التمديد له على يدهم وإقصاء من بيدهم السلطة الفعلية، فكانت
ثورة عام 1958 التي انتهت بصيغة لا غالب ولا مغلوب في ظل انعدام تكافؤ الفرص الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إلى أن وصلنا إلى عام 1975، فاندلعت  الحرب الأهلية، وكانت هناك مبادرة لإنهائها بطرح البرنامج المرحلي للحركة الوطنية اللبنانية.
بعد ذلك دخل الجيش السوري، واغتيل المقاوم  الأول له، وهو المعلّم الشهيد كمال جنبلاط، واستمر تعنّت المارونية السياسية الذي أدى لحروب متنوعة بين كتل سياسية متخاصمة، وحتى ضمن الصف الواحد، وقامت المعارك الطاحنة، وانقسمت الأحزاب على بعضها البعض، وما زالت، إلى أن وصلنا إلى دفن الأحادية المعروفة بصيغة  1943، ثم قامت على أنقاضها صيغة حكم الرؤوس المتعددة المسمّاة اتفاق الطائف.

بعد الطائف، وعند كل مفصلٍ انتخابي إن كان رئاسياً أو نيابياً أو حكومياً، أو حتى وظيفياً ومالياً، يبدأ الراعي السوري المكلّف إقليمياً ودولياً إدارة الملف اللبناني، يبدأ بفرض شروطه وأزلامه إلى أن انتهى بنا الأمر بالسكوت على مضض بشكلٍ مشابه لما كنا عليه قبل الحرب.
واستمرت النار تحت الرماد إلى أن اغتيل الرئيس رفيق الحريري، وخرج الجيش السوري من لبنان، فبدأنا مرحلة إثبات الذات دون أوصياء مباشرين. 
ومرة أخرى انقسم اللبنانيون 8 و 14، كلٌ له مؤيديه ومحوره، وما زلنا نعيش الأزمات المتتالية، ولا خلاص منها لغاية اليوم .
أدّت تلك الصيغة المسماة "الاتفاق الوطني" أو الطائف، إلى نشوء أوطان، وكيانات داخل الوطن الأم، وتلك الحالة أدّت إلى وضعٍ متفجر وصولاً إلى رفع شعار "كلن يعني كلن ". الشعار يعني الرؤساء والوزراء والنواب، والقضاة، والمدراء، والموظفين كباراً وصغاراً تحت شعار "من أين لك هذا" من منقولٍ وغير منقول وهل الذين رفعوا هذا الشعار  سيتقبلون نظاماً ديموقراطياً بكل ما للكلمة من معنى تحت بند "لا ميزة لمواطنٍ على آخر  سوى بالعمل والعلم والفكر والمعرفة"، والمناصب جميعها تصبح بمتناولهم، أو هل سيأتي أحدٌ ويهمس بأذنهم العودة إلى جوهر الصراع.
وهل هؤلاء يدركون ما يدور بالاقتصاد العالمي من حربٍ اقتصادية عالمية بين الأقطاب الثلاثة، الصيني والأمريكي والروسي، تبدأ بالنفط والغاز ولا تنتهي بأية سلعة كانت.
تلك الحرب تدور رحاها في شرقنا الغني تحت ستار إسقاط الأنظمة الديكتاتورية، وفي لبنان كذلك لما يمثّل من موقعٍ جغرافي مهم، هذا إن أسقطنا التنازع بين تلك الدول لجذبه بالاتجاه الذي يريدونه.

اليوم يضع الجميع أيديهم على رؤوسهم. رؤساء على تنوعهم، نواب، وزراء، أحزاب، جمعيات، لا بل كل الدولة بكامل أجهزتها الأمنية والوظيفية، وحتى القضائية، وهي التي وعت بعد سُبات أهل الكهف بادعاءاتٍ واستناباتٍ، وإحالاتٍ قضائية على أشخاص مرّوا بالوظيفة نفسها مراتٍ ومرات، ولسنين طويلة.
تلك المطالعات القضائية لا تحاكي أبداً طموح أحدٍ منا، وهي ظرفية أتت متلازمةً لحراك الشارع حتى لا تلبي طموح بعض القضاة أنفسهم، فكيف بالأوفياء الشرفاء في هذا الوطن ، 
من يحاكم القاضي بالعدل.
كيف كانوا يقبضون رواتبهم ثمناً لأدائهم الوظيفي الباهت هذا، عدا عن التقديمات غير المعروفة. ألا يُعتبر  هذا من المال المهدور  والحرام
 رواتب دون عمل .
إذا كان هذا الكم الهائل من المخالفات والسرقات، والسمسرات والتخاذل، والطمع والجشع، وهذا الكره الأعمى لبعضكم البعض، وهذه التسويات المميتة المقيتة بينكم جميعاً على اختلافها، فكيف تساكنتم واتفقتم واستمرّيتم بهذا التضليل والتآمر على بعضكم وعلينا طيلة هذا العمر.
فعلاً نحن إما أغبياء، أو أن السواد الأعظم منا شريكاً في ما يجري.
لنخرج من حالة التكاذب على بعضنا البعض من جمهورٍ ومسؤولين، بمخططٍ أُعدّ بالغرف السوداء أو من دونه.
اليوم انقلبت المعادلة، وكل ما حصل قبل السابع عشر من تشرين الأول 2019،
يختلف كلياً عما بعده. فالكل يتوجس المرحلة القادمة إن كان مشاركا بالحراك، أو متفرجاً. فالجميع على الطرقات والشوارع، أو أمام شاشة التلفزة، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والكل يريد التغيير صغاراً وكباراً.
الهوة عميقة، لا بل سحيقة بين الشعب والمسؤولين، ويصعب ردمها، فلا تستخفوا بها وتلجأوا مرة أخرى إلى تسويات بالترقيع والتقطيب والتحزيم.
 
هل دنت ساعة الاستقلال الحقيقي، وأولّها هدم أصنام عقولنا.

عاش وطنٌ يحترم مواطنيه.
وإلى مزبلة التاريخ كل نظامٍ طائفي رجعي مميت .