استنهاض الفكر ومواكبة الأحداث

وسام القاضي |

بعد أن أطلق رئيس الحزب صافرة الانطلاق في مسيرة التغيير في الحزب من أجل مواكبة واقع العصر الذي نعيشه، ومخاطبة جيل الشباب، أصبح لزاماً ملاقاته، وإحداث صدمةٍ إيجابية بعد الركود والترهّل الذي أصاب العمل الحزبي، مع العلم أنه جرت محاولات في الماضي بإطلاق صرخات، ومحاولات لاختراق الجدار من قِبل بعض الرفاق المخلصين، لكنها لم تكن تلقى آذاناً صاغية، بل كانت هنالك اتهامات تلقى جزافاً من هنا وهناك على الذين يتجرأون برفع الصوت الإصلاحي. أما وقد فُتح الباب لهذه الخطوة الجريئة من قِبل رئيس الحزب فلا بد من التطرق إلى بعض العناوين التي لا بد من قراءتها بشكلٍ متأنٍ للخروج بخطة تحاكي الوضع الراهن.

لا بد من الاعتراف بأن الجيل الحالي يختلف كلياً عن الأجيال السابقة. فهذا الجيل لم يعاصر الحروب في لبنان وتناقضاتها، بل عاصرَ التطور التكنولوجي العالمي حيث طغت المعلوماتية، التي جعلت الكرة الأرضية مكشوفةً بكل أوضاعها على قطعة آلةٍ صغيرة بين يديه، وبالتالي أصبح يتخذ خياراته وفق قناعاته، وليس وفق عاطفته، أو تأثير أهله، أو محيطه عليه.

إن شدّ العصب وفق إعادة قراءةٍ لأحداثٍ ماضية خفّت وتيرته وتأثيراته. فجيل الشباب أصبح يقرأ ما يدور من أحداث بتركيزٍ كبير وعقلانية، ويستطيع التمييز بين الصادق والكاذب، وبين من يعمل للمصلحة العامة ومن يعمل للمصلحة الخاصة. أضِف إلى ذلك أن حاجز الخوف كسرت قيوده الثورة اللبنانية، وأصبح المواطن اللبناني يصرخ بأعلى صوته مطالباً بحقوقه المشروعة، كما وأن العنصر النسائي شكل وهجاً جديداً كون المرأة هي محور العائلة، ومحور العلاقات الاجتماعية، وبالتالي ما تصرّح به يعبّر عن هموم ومخاوف ومشاعر حقيقية تختلج في نفوس المواطنين.

أمام هذه الصورة لا بد من العودة إلى مفهوم الفكرة الحزبية التي طرحها المعلّم الشهيد كمال جنبلاط حول حزب النخبة. والنخبة لا تعني إطلاقاً الطبقة المتعلّمة كما شوّه مفهومها البعض. النخبة تعني الذين يتحلّون بالوعي والإدراك، والثقافة العامة والتهذيب، والاحترام بين الناس، وهذا ليس له صلة إطلاقاً بالتحصيل العلمي. إلّا أنه، وللأسف، اعتمد البعض مفهوم تنسيب أكبر عددٍ إلى صفوف الحزب ظناً منه أنه يوسّع قاعدته، إلّا أن ذلك ارتدّ سلباً بأثقالٍ متزايدةً تُثقل كاهله دون أن يستطيع الاعتماد عليها في تطوير العمل، والإرتقاء به لمستوى يستطيع من خلاله محاكاة الناس.

ويأتي في الجانب الأهم اعتماد الحزب كمؤسسةٍ متماسكةٍ ومترابطة. وهذا يكوّن دعامة العمل ويبثّ الثقة في نفوس الأعضاء، حيث لا مكان لزرع بعض الأزلام من هنا أو هناك، وإبعاد مفهوم الشخصنة عن المسؤوليات الحزبية، واعتماد مبدأ المداورة والتغيير إفساحاً في المجال لكل من يتمتع بالقدرة على العمل والنشاط. ويجب الوثوق بحق القاعدة الحزبية بإعطاء رأيها في الأمور الأساسية، خاصة بعد أن يتحول الحزب إلى حزب النخبة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، إن اختيار النواب من الحزب يجب أن يحصل على ثقة القاعدة الحزبية التي هي ستكون على تماسٍ مباشر مع النواب، وبالتالي هي تدرك كيفية عملهم وتعاطيهم مع المواطنين.

ويبقى لممارسة الديمقراطية الحيّز الأكبر في الخطوة الإصلاحية، إذ أنه وفي هذا العصر الذي نعيشه اليوم لم يعد جائزاً رفع شعار "نفّذ ولا تعترض". كما وأنه عندما يكون التنافس بين أشخاص من نفس الجو الحزبي فلا يجب أن يكون هناك عائق لإطلاق اللعبة الديمقراطية، وتكون متنفساً يعبّر فيه الإنسان عن صدق اختياره. وهنا طبعاً يجب أن لا تكون اللعبة الديمقراطية معلّبة بإعطاء وتوزيع كلمة السر. 

في المحصلة النهائية لا يجب الخوف من التغيير، بل على العكس، لأن التغيير ليس بمفهوم الدم الجديد كما يظن البعض بأنه متعلقٌ بجيل الشباب، بل الدم الجديد هو بالتفكير السليم والذهنية المنفتحة وفق النقاط التي تمّ ذكرها آنفاً. هذا التغيير يحصّن الجسم الحزبي الكامل، خاصةً وأننا تحت سقفٍ سياسي لا غبار عليه، لكنه للأسف غير محصنٍ بالهيكلية الحزبية، وعلى أمل أن يتم تدعيمها مع هذه الخطوة التي أطلقها الرئيس، خاصةً في الظرف الراهن.

رئيس جمعية كمال جنبلاط الفكرية