في ذكرى الاستقلال لنتحرّر من الانتداب الفكري

د. ياسر ملاعب |

لا يُمكن لأحد إلّا وأن يكون مع التحرّر والاستقلال والحرية بعيداً عن الارتهان والوصاية والظلم والاستبداد، وخاصةً في بناء الأوطان مع نظامٍ ديموقرطي علماني وعادل يحقق فيه كل مواطن أحلامه وأهدافه في الحياة، والعيش بكرامة. 

هذه كلها أمنيات وأحلام في دول العالم الثالث كما يسمونه، أو الدول المتخلفة. وبالرغم من كل ذلك نحتفل بعيد الاستقلال، وبأننا تحرّرنا من الوصاية الخارجية، وهذا حقّنا الطبيعي. لكن عندما حصلنا على الاستقلال، وبنينا دولةً، ونظاماً طائفياً ومذهبياً، وقبلياً وعشائرياً، ونظاماً تسود فيه شريعة الغاب، ولا يمتّ إلى الإنسان والإنسانية بأي شيء فلا يشعر الإنسان بأنه يعيش في وطن الانتماء إليه أولاً. فهل فعلاً، وبكل صدق وموضوعية، نكون حصلنا على الاستقلال المنشود؟ وهل هذا هو هدف الاستقلال؟

طبعاً لا. وبهذه الحالة فليبقَ المستعمر إذا كنا شعباً لا يستحق أن ينال استقلاله ويبني دولةً ونظاماً يعيش فيه شعبه بكرامة وحياةً تليق بالإنسان، ألا يجب أن نناضل، ونكافح، ونجاهد من أجل الاستقلال الثاني، وهو الاستقلال عن الطائفية والمذهبية والعشائرية القبلية، من أجل بناء نظام علماني بكل معنى الكلمة. بعد ذلك نكون قد حصلنا على الاستقلال الحقيقي، وبنينا دولة العدالة والقانون، ودولة الإنسان، فهذا هو الوطن الذي نحلم به. وما يحصل اليوم على صعيد الحراك الشعبي، ليس إلّا الدليل القاطع على أن الشعب قد استفاق من هذه الغيبوبة، فنزلت الناس إلى الشارع بعد أن لاحت أمامها فسحة الأمل، وبعدما أمعن مَن في السلطة بالفساد والإفساد، وعدم الاكتراث بمطالب الشعب، والمكابرة والوقاحة السياسية، في عهدٍ أقل ما يُقال فيه أنه فاشل ومتعجرف، وفاقدٌ للشرعية. 

ومن هنا نقول للحراك الشعبي شكراً لكم، لأن الشعارات التى تُرفع، والمطالب المحقة، هي مشروع كمال جنبلاط للإصلاح السياسي منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. فالعودة إلى المعلّم هي خشبة الخلاص للوطن. كذلك فإن العودة إلى تراث المعلّم داخل الحزب التقدمي الاشتراكي اليوم هي مطلبٌ حزبي وشبابي، وهي مطلب رئيس الحزب وليد جنبلاط، وعلينا مواكبته لكي نصل إلى برّ الامان. 

وغير ذلك سنبقى دولةً مرتهنة، تعيش تحت رحمة الانتداب العقلي والفكري.