معمودية الدم المنذور من مثلث خلدة إلى ساحة الباروك

د. عماد شيا |

كأنه كُتب على كل من له شرف الانتماء الصادق إلى مدرسة كمال جنبلاط، أن يكون دمه منذوراً لمعمودية الدم التي ارتفعت مع انطلاقة الحزب التقدمي الاشتراكي وبداياته في أوائل خمسينيات القرن الماضي من أجل قضايا الإنسان ولبنان والعروبة، وتعمّدت على مدى تاريخه الطويل بدماء آلاف الشهداء، وفي مقدمهم المعلّم كمال جنبلاط. وشاء القدر قبل نحو أسبوع أن تتعمد بدماء شهيد الانتفاضة الوطنية العارمة علاء أبي فخر.

من نافل القول إن إرث حزب كمال جنبلاط وتاريخه يزخر بالتضحية، والإقدام، وبذل الدماء في الثورات والانتفاضات والمواجهات من أجل الوطن وكرامة الإنسان. كما وأن الاستشهاد المدوي لعلاء أبي فخر، ابن مدرسة كمال جنبلاط على مذبح  الوطن يأتي في هذا السياق، وليس صدفةً،  أو حدثاً  منفصلاً أو عابراً.

ففي أول افتتاحيةٍ لكمال جنبلاط بعنوان " قبيل المعركة"، والتي تصدرت العدد الأول من جريدة "الأنباء" يوم 16 آذار 1951، وهو نفس اليوم الذي استشهد فيه بعد 26 عاما، كان لافتاً ما كتبه وقُدّر لعلاء أبي فخر أن يسير على هديه ويجسّد معناه، "... على كل واحدٍ منا أن يكون على أهبة أن يواجه القوة المادية، وأن يصارع السلطان الغاشم، وأن يرمي بماله ودمه وحياته وأولاده في حلبة الصراع ..."

لم يمضِ يومان على هذه الإفتتاحية في 18 آذار 1951، وأثناء تجمّع الناس في بلدة الباروك استعداداً لمهرجان الجبهة الوطنية الاشتراكية، وقبل وصول كمال جنبلاط إلى ساحة المهرجان، حتى فُتحت النيران على المجتمعين، واستُشهد ثلاثة أعضاء حزبيين: أبو علوان وأبو عاصي وفليحان، وأحد رجال قوى الأمن. وعلى الرغم من محاولات الناس سدّ الطريق بسلاسل بشرية، ومنعه من التقدّم خوفاً على حياته، فقد أصرّ كمال جنبلاط على مواصلة الطريق إلى ساحة المهرجان، مطلقاً حين وصوله إليها تعبير "معمودية دم الشهداء".

اللافت كان طلبُه ثلاثة أعلام حزبية لتحية الشهداء وتكفينهم بها، وعَلماً لبنانياً لتكفين ضابط قوى الأمن الذي قضى غدراً مع الشهداء الثلاثة. وبسلوكه الثوري الراقي، وإصراره على أن لا تذهب دماء الشهداء هدراً. فاقمَ كمال جنبلاط من أزمة السلطة ونقمة الناس عليها، فقيّض لهذه الدماء الزكية أن تساهم في تزخيم الثورة البيضاء، وفي إسقاط عهد الرئيس بشارة الخوري (بسبب تسلّط شقيقه للجمهورية واستباحته لها فقد سمّي بعهد  السلطان سليم الذي يشبه إلى حدٍ بعيد تسلّط و"تسلبط" الوزير باسيل صهر الرئيس على العهد الحالي).

لم تمضِ أكثر من سنتين على "معمودية الباروك"  حتى عادت وتعمدت بدم أول شهيدٍ للحركة الطلابية، حسان أبو اسماعيل، الطالب في الجامعة الأميركية، والمنتسِب إلى شبيبة حزب كمال جنبلاط، وهو الذي تقدّم في العام 1954 مظاهرةً جماهيرية في بيروت منددةً بسياسة عهد الرئيس كميل شمعون الاجتماعية الظالمة، والبعيدة عن هموم الفئات المسحوقة والمرتبطة بأحلاف ومحاور خارجية.

ويبدو أنه كُتب أن تكون  معمودية  دم حزب كمال جنبلاط شبيهةً بمعمودية دم القدّيسين، لا تتجمّد أو تتخثر. ففي الثامن من أيار عام 1958، استُشهد صاحب جريدة "التلغراف"، نسيب المتني، صديق  كمال جنبلاط ورفيقه، والذي وصفه بأنه مع جريدته "جبهةً شعبية سياسية متحركة".

الجدير ذكره أن "التلغراف" صدرت صبيحة يوم اغتيال المتني بعنوان باللون الأحمر يدعو شمعون إلى الاستقالة، وهو ما أقلق كمال جنبلاط عليه، فاتصل به، ودعاه إلى الانتباه وتوخي الحذر من غدر السلطة. وكان جواب المتني، "أنا لا أخاف هؤلاء الجبناء... ولا شيء أخسره. ما عندي إلّا القلم الذي أكتب به، وهو هدية منك يا كمال بيك".

نعم، شكّل اغتيال نسيب المتني الشرارة المباشرة لانطلاق انتفاضة 1958 الشعبية، وذلك عندما ودّع كمال جنبلاط المتني أثناء تأبينه قائلاً: "قولوا لهذا القابع في قصر القنطاري إن دم نسيب المتني سيكون آخر مسمار في نعش عهده...".

اندلعت الانتفاضة الشعبية، وانصهرت دماء العشرات من شهدائها بمعمودية الدم من أجل تخليص لبنان من قبضة حكم شمعون الجائر الذي ربط مصير لبنان بمصالح دولٍ وأحلافٍ أجنبية.

في منتصف سبعينيات القرن الماضي، ومن أجل أن يكون لبنان وطناً يستحقه أبناؤه، عادت معمودية الدم لترتفع وترتوي بدماء المئات من شهداء الحزب، وتتعمد في 16 آذار عام 1977 بدماء معلّم الأجيال، كبير الشهداء، كمال جنبلاط، والتي شبّهها الشاعر الجنوبي شوقي بزيغ  بدماء القدّيسين  التي لا تجف.

معمودية الدم التي تعمّدت بدم كمال جنبلاط ورفيقيه، حافظ الغصيني وفوزي شديد، ودماء مئات الشهداء، ارتفعت عام 1982 مجدداً بدماء آلاف الشهداء في مواجهة الاجتياح الإسرائيلي وتداعياته،  وذلك من أجل أن يُحفظ للبنان هويته، ولمقاومته ديمومتها، وللجبل إرثه وتاريخه، ولأهله وجودهم وكرامتهم. كما ارتوت هذه المعمودية في تلك الأثناء من دم الشهيد جمال صعب مرافق وليد جنبلاط أثناء محاولة اغتياله، وحتى من دم وليد جنبلاط نفسه الذي تدخلت العناية الإلهية ليبقى حياً في مراحل حرجة وخطيرة يحتاج لبنان وأهله إليه ولأمثاله لتجاوزها.

هذه المعمودية نفسها ارتفعت عام 1989، بدم أنور الفطايري، القائد الشبابي الوطني، ورئيس الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية، وأحد أبرز قادة الحزب وتلاميذ مدرسة المعلم. وقُدّر أن تكون آخر المعارك التي خاضها هي معركة عودة المهجرين إلى قراهم وبلداتهم، وهي المعركة التي مهدت لمصالحة الجبل التي تُوّجت عام 2000، بزيارة البطريرك صفير، رحمه الله، وبرعايته مع وليد جنبلاط لهذه المصالحة التي استفزت النظام الأمني السوري وأزلامه، ومهّدت لخروج جيش الوصاية السورية  من لبنان في نيسان 2005.

لم تبرد حرارة معمودية الدم، ولم يخفت وهجها. ففي عامي 2006 و2007، ارتوت بدم الشهيدين المغدورَين الزيادَين، ودم الشهيد لطفي زين الدين، وقُدّر لهذه الدماء الزكية أن تكون ذخيرةً لحماية السلم الأهلي، وإطفاء نار الفتنة والغدر.

وفي 7 أيار 2008، دعا الواجب نحو وطن التنوع وكرامة الإنسان فيه، أن ترتفع معمودية الدم المنذور سداً أمام نشوة السلاح وغطرسة القمصان السود، واستباحة كرامة الناس في لبنان عموماً، والجبل على وجه الخصوص. وقد لبّى النداء مناضلون شرفاء، ومن بينهم الشهداء الأبرار.

وعندما احتاج لبنان إلى من يقف بوجه مَن يستهين بالاستحقاقات الدستورية ويستبيح المؤسّسات والكرامات، وبوجه مَن يعمل على نبش القبور لإعادة لبنان إلى الماضي البغيض، لم يتردّد الشهيد علاء أبو فرج عام 2017 في المواجهة، ولم يبخل بدمه لرفد معمودية حزبه الذي أقسم اليمين على الوفاء والتضحية من أجل تحقيق مبادئه الإنسانية. 

شاءت الأقدار قبل نحو أكثر من أسبوع، وفي خضم انتفاضة وجع اللبنانيين المجيدة، أن يتقدم علاء أبو فخر مع عائلته الساحات. علاء المتدرّج في مدرسة كمال جنبلاط قائداً كشفياً وشبابياً وحزبياً، تقدّم  صادحاً بصوته، وعازفاً بنبضه، نشيد الثورة على امتداد هذه الساحات، ليرتفع شهيداً في مثلث خلدة على مذبح الثورة، مازجاً بدمه معمودية حزبه بمعمودية وطنه الذي يكافح معظم أبنائه اليوم من أجل  الوطن الذي يحلمون به.