عودة إلى تراث الحزب

د. وليد خطار |

الثورة يشعلها الفقراء، ويجني ثمارها الجبناء، ويستغلها الأغنياء. إنها من الأقوال الشائعة عن الثورات في العالم، ومن المبكر إسقاط هذا القول على الثورة اللبنانية الحالية  التي نعيش في خضمّها، ونعلّق عليها الآمال للوصول إلى وطن الكفاية والعدل.

نقول الحالية لأنه في تاريخ هذا الوطن هبّت ثورات وفورات، ولكنها لم تكن لها شمولية وسلمية ثورة 17 تشرين الأول 2019. ومن المؤكد بأنها تحمل في طيّاتها هدفاً أجمع الشعب اللبناني عليه، وهو مقاومة الفساد المستشري في غياهب هذا الحكم الذي رفع شعار المسلسل المكسيكي وطبّقه باحترافية عالية "أنا أو لا أحد".

 منذ الاستقلال كانت هناك ثورات وصولات وجولات للشعب اللبناني مع السلطة الحاكمة، وإذا استعرضناها منذ الاستقلال نجدها كالتالي:

-  الثورة البيضاء التي أسقطت بشارة الخوري لمنع تمديد ولايته، والتي قامت بها الجبهة الاشتراكية الوطنية، وكان على رأسها المعلم الشهيد كمال جنبلاط.

-  ثورة 1958 لمنع ربط لبنان بحلف بغداد، وكان على رأسها المعلّم الشهيد.

-  حرب السنتين التي كانت بين الجبهة اللبنانية والحركة الوطنية اللبنانية، وكانت ثورةً حقيقية لمنع تقسيم لبنان، هذا العنوان القديم الجديد، وكان على رأسها المعلم الشهيد الذي وضع مع الأحزاب الوطنية برنامج الإصلاح السياسي للنظام اللبناني بالطرق الديمقراطية.

-  ثورة الأرز التي كان الحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط، من أبرز قيادييها، والتي أخرجت النظام السوري من لبنان بعد اغتياله الشهيد رفيق الحريري بعد ثلاثين عاماً من دخوله على دماء كمال جنبلاط.

-  وبعد ذلك بدأت ثورات الربيع العربي التي انتقلت من دولةٍ إلى أخرى قاضيةً على رموزها بعنوانٍ أساسي "ثورة ضد الظلم، وعسكرة السلطة، وانعدام الديمقراطية"، لكن تداخلَ التعصب الديني مع التدخلات الخارجية، ولم تنجح أياً منها لتاريخه من الوصول إلى أهدافها المعلنة.

نحن حزبٌ نعتز بتاريخه على مدى سبعين عاماً من النضال على ساحة الوطن، ولم نكن يوماً إلّا المبادرين في حمايته كلما دعت الحاجة؛ فذهب منا شهداء أولهم الرفيق الشهيد  حسان أبو اسماعيل، ولم تنتهِ ضريبة الدم بالرفيق الشهيد علاء أبو فخر، شهيد الثورة اللبنانية الحالية.

لا بدّ من هذا العرض للوصول إلى السبب الحقيقي لعدم مشاركة الحزب، دون أفراده، في هذه الثورة المجيدة. السبب الحقيقي هو حماية الثورة من أعدائها، لأن احترام طروحاتها البعيدة عن الحزبية الضيقة، يوجب علينا حمايتها ورعايتها، كونها تكمّل تاريخنا ومطالبنا، بدءاًمن قانون (من أين لك هذا) الذي وضعه المعلّم الشهيد عام 1952، إلى شعارات برنامج الإصلاح السياسي للنظام اللبناني الذي وضعه عام 1976.

همّنا الأساسي هو الوصول إلى تحقيق مطالب الثوار: من استئصال الفساد المستشري، وإعادة أموال الشعب اللبناني، ولو بقيت مؤسّستنا الحزبية في الموقع الرعائي، وهي خاضعةٌ دوماً لإرادة الشعب، واضعة تجاربنا المتواضعة في خدمة الثورة، من مطالبة رئيس الحزب:

1 - بتشكيل حكومة تكنوقراط مصغرة.

2-  وضع قانون انتخابي خارج القيد الطائفي.

3-  حل مجلس النواب، وانتخابات مبكرة لفرز طبقة سياسية جديدة تستطيع تحقيق مطالب الثوار.

لم نبخل بحماية الثورة، وهذا واجبنا تجاه من نزل إلى الشارع وتقدّم على طروحات، وطريقة، وأسلوب عمل الأحزاب، جميع الأحزاب، ونحن منهم. إن مخاطرة رئيس الحزب، ورئيس اللقاء الديمقراطي، بعد شهادة العلاء، تهدف إلى حماية ما كان يُخطّط لإجهاض الثورة، وحرفها عن مسيرتها.

لم نتعود ركوب الموجات كغيرنا. تاريخنا يشهد، وأدبياتنا تشهد. فكرنا التقدمي - المنفتح الذي يدفعنا دوماً إلى قول الحق، وتبنّي الطروحات المتقدمة التي تثبت جدواها في تحقيق أهداف الشعب في الحياة الحرّة الكريمة- يشهد.

وبشجاعته المعهودة قال وليد جنبلاط لـ "أم تي في": المشاركة في الحكم، حتى لو كان بعضها نافعاً، كنا أُصبنا بالاهتراء. وبالتالي، الهمّ اليوم داخلي لإعادة الاعتبار لتراث الحزب، آخذين بالاعتبار أنه لا بد من طُرقٍ جديدة للتواصل مع الناس، وهذا ما أثبتته الثورة".

وخير الكلام ما قلّ ودل.