هل إيران على أعتاب حقبة جديدة؟

20 تشرين الثاني 2019 08:51:48

اتسعت دائرة الاحتجاجات الشعبية في إيران، لتشمل أكثر من مئة مدينة في 22 محافظة بينها العاصمة طهران، وأظهرت الصور ومقاطع الفيديو المسربة الى وسائل الاعلام العالمية والتي انتشر عدد كبير منها على وسائل التواصل الاجتماعي حجم التظاهرات وأشكالها، رغم إغلاق السلطات شبكة الانترنت عن البلاد، منذ أن اندلعت موجة الاحتجاجات مساء يوم الجمعة 15 تشرين الثاني بعد إعلان الحكومة زيادة أسعار الوقود بنسبة 50 في المئة، لتصل 15000 ريال للتر، وتقنين بيعها على للسائقين بمعدل 60 لترا في الشهر، مع احتمال ان ترتفع الأسعار مرة أخرى لتصل الى حدود 30000 ريال للتر. ويذكر أن الاقتصاد الإيراني يعاني انكماشا بالغا جراء انسحاب الولايات المتحدة الأميركية العام 2018 من الاتفاق الدولي حول البرنامج النووي الإيراني الموقع في 2015 وإعادة فرض عقوبات اقتصادية مشددة على طهران.

قرار زيادة أسعار الوقود الذي برره الرئيس حسن روحاني بقوله "إن الأموال المجمعة سوف توزع على المواطنين المحتاجين"، وأيد المرشد علي خامنئي، قرار الحكومة رفع أسعار البنزين ووصف المتظاهرين الغاضبين بأنهم قطاع طرق أو بلطجية، ما شرع حملة القمع بوجه المتظاهرين الذين واجهوا القرار الحكومي بغضب واسع النطاق أشعل البلاد التي يترنح اقتصادها تحت ضغط العقوبات الأمريكية التي عطلت صادرات النفط، وأدت إلى انخفاض قيمة الريال، وارتفاع نسبة التضخم، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يتراجع إجمالي الناتج المحلي في إيران بنسبة 9.5 في المئة هذا العام بعد تراجعه بنسبة 4,8 في المئة في 2018. وبلغت النسبة الرسمية للتضخم أربعين في المئة وخصوصا مع انهيار قيمة الريال الإيراني مقابل العملات الأجنبية.

وسرعان ما اتسعت دائرة الاحتجاجات الشعبية لتعم مختلف أنحاء إيران، بعد أن اتخذت منحاً سياسياً مع مطالبة المحتجين بتنحي كبار رجال الدين الذين يقودون البلاد، ورفع شعار "الموت للديكتاتور"، والمطالبة بوقف نهب الأموال وتهريبها الى لبنان والعراق واليمن لدعم الميليشيات التابعة للحرس الثوري، وتمددت الاحتجاجات إلى حوالي 100 مدينة وبلدة، بحسب ما ذكرته وكالة فارس شبه الرسمية للأنباء. حيث أضرمت النيران في حوالي 100 مصرف، و57 دكانا. وقبض على نحو 1000 شخص.

الصور المسربة من إيران، رغم انقطاع الإنترنت، توثق بوضوح حجم التظاهرات الآخذة بالاتساع في العاصمة طهران وفي المدن والمحافظات الكبرى خاصة في تبريز، وأصفهان، وكرمانشاه، وسانانداج، وشيراز، وتوثق أيضاً استقدام قوات الأمن لقمع المحتجين وإطلاق الرصاص الحي عليهم لتفريقهم، حيث فقتل في 3 أيام ما يقارب الـ60 متظاهراً، بحسب ناشطين إيرانيين.

مصادر ميدانية من داخل ايران، قالت لوكالات اخبار عالمية، أن المحتجين قاموا بإحراق مقرات للباسيج في مناطق عديدة منها ميلارد غرب العاصمة الإيرانية، وأحرقوا عدد كبير من المصارف والمؤسسات الحكومية، والحافلات وسيارات النقل العمومية، وقطعوا الطرقات الرئيسية، كما تعطلت الدراسة في العاصمة طهران وفي عدد من المحافظات، وأغلقت الأسواق في مدينة نجف آباد بأصفهان. وأفادت المصادر أن أعداد المتظاهرين الذين شاركوا في الاحتجاجات التي عمت المدن الإيرانية على مدى الأيام الماضية، وصل إلى 87400 شخص، بحسب ما أفادت به وكالة "مهر" الإيرانية للأنباء، مضيفة أن الاحتجاجات هي الأعنف في البلاد مقارنة باحتجاجات عام 2017.

ورغم الفيديوهات والصور والأنباء المعلنة عن اتساع دائرة الاحتجاجات، ذكرت وكالة مهر الإيرانية أن الهدوء والاستقرار يسودان الشوارع الرئيسية في العاصمة طهران ومدينة زنجان، ونقلت عن مصادر حكومية قولها ان الهدوء عاد الى ايران، وكانت قد تناقلت بعض المواقع الالكترونية، بيان صادر عن الحرس الثوري، وهو القوة الأمنية الرئيسية المدججة بالسلاح في إيران، جاء فيه "أعداء إيران من الأشرار والحاقدين" حاولوا مرة أخرى "زرع الفتنة"، أضاف البيان، "سوف نتعامل بحزم مع استمرار أي نوع من انعدام الأمن يهدف إلى زعزعة راحة الناس وهدوءهم، وإذا تطلب الأمر فسنتخذ إجراءً حاسما وثوريا ضد أي تحركات مستمرة لزعزعة السلام والأمن". من جانبه، هدَّد وزير الداخلية، عبد الرضا رحماني فضلي، المحتجين بتحريك قوات الأمن لاستعادة الهدوء، إذا استمرت الأعمال المخلة بالأمن وراحة المواطنين، كما هدد مدعي عام كرمنشاه المتظاهرين بالإعدام بتهمة "محاربة الله".

مصادر إعلامية، كشفت أن ممثل المرشد الإيراني، علي خامنئي، طلب تعزيزات أمنية الى مدينة "يزد" بعد مهاجمة مكتبه من قبل المحتجين. وكانت قد اندلعت الاشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين في مدينة " إسلام شهر" جنوب طهران، وطلب حاكم المدينة تعزيز الإجراءات الأمنية لخطورة الوضع، فيما قال محافظ طهران إن الاحتجاجات عمت 22 محافظة من أصل 31.

وفيما حمّل رئيس السلطة القضائية في إيران مسؤولية اندلاع الاحتجاجات الى الرئيس حسن روحاني، اعتبر علي لاريجاني خلال اجتماع مجلس الشورى الإسلامي، أن ما يجري "مؤامرة متعددة الأطراف ،خاصة حينما يعلن وزير الخارجية الأمريكي دعمه لتدمير ممتلكات الشعب" واعتبر أن "الشعب الإيراني قد كشف جيدا بان هدف أمريكا تجاه ايران ليس سوى زعزعة امنها والقضاء على مصالح شعبها".

المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أعلن بأن لديه تقارير تؤكد أن عدد القتلى في مظاهرات إيران "بالعشرات". ووصف المتحدث الوضع في إيران بـ"المقلق"،"من ما قال انه "انتهاكاً للقانون الدولي".

داعيا السلطات الإيرانية لإعادة الإنترنت، واحترام حق المتظاهرين في حرية التعبير، وأبدى المتحدث من استخدام قوات الأمن الإيرانية للذخيرة الحية، حيث تداول ناشطون فيديوهات تؤكد استخدام قوات الأمن الرصاص الحي في تفريق المحتجين في منطقة عفيف آباد في شيراز، وأعلنت شبكة حقوق الإنسان في كردستان إيران عن سقوط 16 قتيلاً في كرمنشاه خلال 4 أيام من الاحتجاجات، أما المتحدث باسم جماعة مجاهدي خلق المعارضة، شاهين قبادي كشف في تغريده له على "تويتر" عن مقتل61 شخصا في عشر مدن، وأن الانتفاضة امتدت إلى 107 مدن إيرانية.

من جهته، ندد البيت الأبيض باستخدام السلطات الإيرانية لما وصفها بـ"القوة المميتة" ضد المتظاهرين في إيران وفرض قيود صارمة على الاتصالات، في وقت دعت ألمانيا لاحترام الاحتجاجات المشروعة.

في السياق ذاته، قال براين هوك، المبعوث الأميركي الخاص بإيران، إن الشعب الإيراني مستاء من النظام الحاكم، وإن الاحتجاجات على الارتفاع الحاد في أسعار البنزين أحدث مثال على ما يشعرون به من ظلم.

بدورها المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، مورجان أورتاغاس، أكدت على أن النظام في إيران هو المسؤول عن الاحتجاجات الشعبية التي خرجت ضده، مشيرة إلى أن هذه الاحتجاجات أكبر بكثير من موضوع رفع أسعار البنزين.

اندلاع التظاهرات في إيران، بعد انتفاضتين شعبيتين في العراق ولبنان، حيث النفوذ الإيراني غالب وواضح، مؤشر على عمق الأزمة التي دخل فيها النظام الإيراني، فبعد تباهي قادة الحرس الثوري بسيطرة ايران على اربع عواصم عربية (بغداد ودمشق وبيروت عدن)، تنقلب الصورة اليوم، فالثورات الشعبية التي انطلقت من بغداد في الأول من تشرين الأول الماضي، ومن بيروت في 17 تشرين الأول أيضا، تلتقي مع انتفاضة الشعب الإيراني التي اندلعت في 15 تشرين الثاني، تطالب جميعها بشعارات متقاربة، مكافحة الفساد واسقاط الطبقة الحاكمة التي نهبت الاقتصاد واغرقت الشعب في الفقر، فالمشهد المثلث الاضلع المتمدد في البلدان حيث تتحكم الجمهورية الإيرانية بموقع السلطة والقرار، تحاول شيطنة الانتفاضات وإدراجها تحت عناوين سياسية ومؤامراتي، لتغطية وكلائها ومن يوالونها من الفاسدين، واتهام الخارج لا سيما الولايات المتحدة الأميركية والمحور الغربي بالتدخل في شؤون الدول الثلاث وتحريض المواطنين على الثورة وتأليبهم ضد السلطات، بتقديم الدعم المادي والمعنوي من اجل كسر القوى السياسية والحزبية التي تنتمي الى الممانعة والمقاومة من الحشد الشعبي الى حزب الله وصولا الى الحرس الثوري.

من هذه الزاوية تعتبر ايران وحلفائها أن هذه الانتفاضات ليست سوى أدوات ضغط على النفوذ والوجود الإيراني في المنطقة والذي تسعي الإدارة الأميركية الاستفادة منه لإرغام طهران على الدخول في مفاوضات مع إدارة ترامب قبل موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية في خريف العام 2020.
 
لقد فشلت ايران خلال الأشهر الماضية من استدراج المنطقة الى حرب إقليمية او الى حروب بالواسطة، كما فشلت في استدراج الولايات المتحدة الأميركية الى مواجهو مباشرة معها، فايران التي انتهجت سلوكاً هجومياً، اتخذت قرارها بعدم فتح أبواب التفاوض مع واشنطن حتى انتهاء الانتخابات الرئاسية الأميركية، فيما ينتظر ترامب نظيره الإيراني على طاولة المفاوضات، وفق الشروط الأميركية، التي يعتبرها المراقبون بمثابة طاولة استسلام ايران للغرب، ويعتقد بعض المراقبين أن واشنطن نجحت في إثارة الشارع الإيراني الذي يعاني ظروفاً اقتصادية صعبة نتيجة للعقوبات الجاري تطبيقها على الاقتصاد الإيراني، وأنها نجحت في هز النفوذ الإيراني في لبنان والعراق وتشويه صورتها في البلدين، فهل تنجح في تقليص نفوذها في العاصمتين بعد ان بدأ الوجود الإيراني يواجه أزمة علاقة مع روسيا في سوريا؟.