اجتماع باريسي حول لبنان... فهل بدأ تدويل الأزمة؟

ربيع سرجون |

أسهم قِصَر النظر، وانعدام المسؤولية، لدى القوى السياسية في تدويل الأزمة التي أنتجتها. المكابرة على مطالب الناس، وغياب الرؤية والأفق، واستمرار الجشع للمكاسب، والحفاظ على المناصب، أفقد المسؤولين اللبنانيين عامل المبادرة للعمل على تلبية مطالب شعبهم، وبقيت مناكفاتهم هي سيّدة مناهجهم وسلوكياتهم، فخسروا ورقةً كان بإمكانهم حسن استخدامها للتكفير عن بعضٍ من ذنوبهم على الأقل، ولإثبات أن هناك ما يعنيهم في البلاد غير منطق المكاسب والمصالح. لكنهم، برعونتهم، وضعوا البلاد ومصيرها على صفيحٍ دولي وإقليمي متحرك. أحرقوا بذلك آمال الشباب وتطلعات المواطنين إلى تحصيل القليل من حقوقهم. ولم يعد أحد من الأفرقاء يمتلك زمام المبادرة، فقد أصبحت الأزمة ترتبط بحساباتٍ دولية وإقليمية، خاصة وأن الجميع اليوم ينتظر نتائج الاجتماع الذي سيُعقد بين مسؤولين أميركيين وفرنسيين وبريطانيين في العاصمة الفرنسية باريس لمناقشة الملف اللبناني، والبحث عن إمكانية الوصول إلى تسوية معيّنة تعيد إنتاج السلطة، وانتظام عمل المؤسّسات.

لا تترك القوى السياسية مناسبةً إلّا وتُثبت فيها عجزها عن معالجة تطلعات جمهورها، وتؤكد مجدداً على أن ما يتحكّم بها هي حسابات تفصيلية صغيرة في إطار الزواريب المناطقية والطائفية، بينما اللبنانيّون الغاضبون والمنتفضون أصبحوا في مكان آخر. هذا المكان، أو قمة الجبل، يرى من فوقه الشعب اللبناني كل الانقسامات المفتعلة التي كانت تعمل القوى السياسية جاهدةً على تكريسها للحفاظ على وجودها، بالاستناد إلى منطق التفرقة بدلاً من الجمع.

 وهنا أصبحت المعادلة التي يفرضها اللبنانيون واضحة لا لبس فيه. شبانٌ يطالبون بحقوقهم التي تتوفر من خلال بناء دولة مدنية، وتقدمية عصرية، تقوم على أساس المواطنية، خارج الحسابات الطائفية والسياسية، في مواجهة قوى سياسية تصرّ جاهدة على إبقاء لبنان في سياق حرب المحاور وانقساماتها، والتي لا تخلو من اللعب على الأوتار الطائفية والمذهبية لتحقيق المكتسبات السياسية.

بالتأكيد، إن ما يؤسّس له اللبنانيون في تحركاتهم وانتفاضتهم، ستظهر نتائجه في وقتٍ لاحقٍ مستقبلاً، وسيكون مرتبطاً بالمزيد من الجهد والنضال والمثابرة لكسر احتكارات الطوائف والقوى السياسية التي ترتكز على تخريب العقول ونبش القبور. ومن ينتهج سياسة نبش القبور وتخريب العقول هو نفسه الذي يعيش حالة انفصامٍ تامة، وحالة إنكارٍ لما يجري، إذ يعتبر أن التحركات لا تستهدفه، وهو أقوى منها وأرفع. هذه الحالة الإنكارية التي تنمّ عن مرضٍ سلطوي عميق، لا بد لها أن تستفيق على صدمة الخسارة الكبرى، ولو بعد حين.