دروس من مسيرة كاسترو: قائد بدأ مع 82 شخصًا فأقلق أميركا..

الأنباء |

عندما نجحت الثورة الكوبية في كانون الثاني 1959 ، واجه فيدال كاسترو مشكلة، فقد كان على بعد 550 ميلاً من هافانا، فحوّل رحلته نحو العاصمة إلى مسيرة نصر بدأها مع 82 شخصًا، نال في آخرها تجمّع الكوبيين حوله، وخلال أربع سنوات كادَ أن يقلب مصير العالم رأسًا على عقب.. فلنقرأ التاريخ!
وبحسب المعلومات التاريخيّة، فعندما فرّ الديكتاتور الكوبي فولجنسيو باتيستا من هافانا في وقت مبكر من كانون الثاني 1959، كان فيدال كاسترو على بعد 550 ميلا منه، وبينما كان كاسترو عالقًا في المناطق الداخلية الجنوبية الشرقية، كان خصومه في السلطة، أي كبار ضباط النظام وقادة قوات متحالفة يتجهون من الجهة الشمالية الغربية إلى العاصمة. والجدير ذكره أنّ كاسترو كان يدرك أنّه سيخسر السباق، إلا أنّه حوّل ضعف موقعه إلى قوة وشرع في موكب انتصار أو ما سُمي "كارافانا"، استمر لمدة ثمانية أيام، وكانت مهمته ضمان أنه سيكون خليفة باتيستا.

وكان الجنرال باتيستا رئيسًا منتخبًا بشكل ديمقراطي في الأربعينيات، لكنّه عاد إلى السلطة عام 1952 من خلال انقلاب عسكري، ثمّ ألغى الانتخابات وقمَع المعارضة ووقع صفقات مع المافيا الأميركية لتحقيق مكاسب مالية شخصية على حساب الكوبيين، وفي ظلّ انعدام وجود أي وسيلة انتخابية لتغيير الوضع، انتقلت الجماعات المعارضة إلى التمرد العنيف. 
في 26 تموز 1953 بدأث ثورة كاسترو بهجوم كبير على الثكنات العسكريّة في سانتياغو، التي كانت المدينة الرئيسية في المنطقة الشرقية، ثمّ سُجن كاسترو، وعند إطلاق سراحه، ذهب إلى المنفى في المكسيك على الفور، وخطط للثورة ولتأسيس معقل في جبال المنطقة الشرقية. وفي تلك المرحلة، تركزت الثورة الكوبية على المقاومة المدنية بقيادة "العمل الوطني الثوري"، الذي اندمج في حركة كاسترو "26 تموز" والمديرية الثورية.
في أواخر عام 1956، إنتقلت المجموعة التابعة لكاسترو إلى المخبأ المقترح "سييرا مايسترا"، وبعد بضعة أشهر، هاجمت "المديرية الثورية" القصر الرئاسي في هافانا، فهرب باتيستا، لكنّ قائد "المديرية" ويدعى خوسيه أنطونيو إيكيفريريا قُتل. ثمّ ذهبت الفرقة إلى جبال إسكامبراي في وسط كوبا وبدأت حملة حرب العصابات بشكلٍ مستقل عن كاسترو، كذلك وقعت نزاعات داخل المديرية ما أدى إلى تشكيل مجموعة منشقة وهي "الجبهة الثانية". وعلى الرغم من الإنقسامات، فقد أصبح هناك ثلاث قوات للثوّار وعدو واحد مشترك هو باتيستا.
وتوالت التطورات حتى أتى صيف عام 1958، حين أطلق باتيستا هجمة في الشرق ضد كاسترو، وعلى الرغم من قوته المتفوقة بشكل كبير، إلا أن الجيش الكوبي لم يكن مستعدًا لحرب العصابات وعانى من هزائم كبرى سمحت لحركة 26 تموز بالتحرك نحو الغرب. وعندما استولى الثوار على المدن الرئيسية في وسط كوبا، هرب باتيستا إلى جمهورية الدومينيكان، مخلفًا وراءه فراغًا في السلطة، صمّم كاسترو على أن يملأه هو.
وهنا بدأت مسيرة كاسترو في 1 كانون الثاني بخطاب أمام 200 ألف شخص في سانتياغو، معقل حركة 26 تموز، وبفضل علاقاته العامة وبمساعدة من تشي غيفارا الذي كان يتميز بمهارات استخدمها في الإذاعة الخاصة بالثوار، تمكّن كاسترو من التقدم.
وفي الليلة التي أعلن فيها كاسترو "سانتياغو" عاصمة لكوبا، لم يكن ذلك قراره، إلا أنّ تأثيره على خصومه كان واضحًا هناك، وأصبح مقر السلطة أينما يحلّ كاسترو، الذي أدرك أنّه بحاجة إلى دعم في الشرق لتغيير مستقبل الأمة، كان يريد هافانا، لكنّ "الجبهة الثانية" و"المديرية الثورية" وصلتا إلى هناك قبله، ولم يكن هؤلاء الثوار المتحالفون بشكل جزئي وحدهم من يشغلون تفكير كاسترو، إذ تمّ إطلاق سراح رامون باركين، وهو عقيد سجنه باتيستا بتهمة محاولة الانقلاب في عام 1956، بعد رحيل الديكتاتور باتيستا. بالنسبة لكاسترو، فقد كان باركين منافسًا جديًا للسلطة. وفي محاولة لضمان الرأي العام، قال كاسترو على إذاعة الثوار: "لن نقبل أبداً بأي حل آخر غير الحكومة المدنية".
وبعد ذلك أرسل كاسترو غيفارا وكاميلو سيينفويغوس إلى هافانا، وانطلق كاسترو من سانتياغو في سيارة جيب مفتوحة، توقف في المدن الكبرى في طريقه إلى هافانا، ووضع رؤيته لكوبا جديدة في خطابات أعدّها. وقد اصطفّ الكوبيون، ولم يكونوا يريدون سوى لمسه، إذ رأوا فيه خليطًا من عدد من الزعماء ورمزًا للاستقلال.
إذًا إستهلّ كاسترو مسيرته بشكل جيد لكنه لم يستبعد إمكانية خوض معركة من أجل العاصمة، وفي كل محطة، كان يشجّع المزيد من الثوار والجنود السابقين للانضمام إليه. ولكن ما جرى هو أنّ بعض الجماعات المتمردة إضافةً الى ممولين عملوا على تعيين مانويل أوروتيا رئيسًا لكوبا، وهو قاض ليبرالي اشتهر حتى في ذروة ديكتاتورية باتيستا، وكان دور كاسترو كقائد للقوات المسلحة قد تمت تسويته أيضًا في اتفاقات ما قبل الانتصار، وأخبر الحشود أنه سيبقى في هذا المنصب حتى لا يعود الرئيس يريده.
وعلى الرغم مما قاله، فقد كان كاسترو يعلم أنّ مسيرته الى العاصمة كانت حاسمة في ترسيخ مستقبله السياسي، وكان لديه الكثير من الأعداء، سواء في النظام القديم أو بين خلفائه المرتقبين، بشكل سري، قام بتسمية شقيقه راؤول والقائد هوبر ماتوس للقيادة المقبلة.
وعندما وصل كاسترو إلى هافانا، أصدر بعض الأوامر، فأخذ تشي غيفارا الحصن الذي يطلّ على المرفأ وذهب سينفويغوس للتفاوض مع باركين الذي أدرك أنّ شعبية الثوار تفوقت على شعبيته بكثير ومعنويات الجيش كانت منخفضة بعد سلسلة من الهزائم التي مُني بها من قوات عددها أقلّ، علم باركين أنّه حُشرَ، وسلّم حركة 26 تموز أبرز الثكنات في كوبا. وعندما دخل كاسترو إلى هافانا، كانت الحشود ضخمة وتصرخ "تعيش الثورة".
كانت محطة كاسترو الأخيرة في مسيرته "الكارافانا" هي كامب كولومبيا، وكان خطابه كئيبًا بالنسبة لشخص منتصر، فقد كانت هناك العديد من التحديات، لكن الأمل كان يكمن لديه بأنّ الديمقراطية الاجتماعية سوف تزدهر، وأنّ الإنتخابات ستُعقد. وقال: "ليس من العدل أن تعرّض عبادة الشخصية والطموح مصير الثورة للخطر"، مضيفًا: "لا يمكننا أن نصبح ديكتاتوريين"، كما أكد أنه لا يريد تماثيل ولا شوارع تحمل اسمه.
إذًا، كان أداء رئيس كوبا خلال مسيرته الطويلة إلى العاصمة هو ما أعطاه كلّ هذا التفويض الشعبي، حتى لم يعد الصحافيون يستطيعون التمييز ما بين قافلته وبين الناس الذين تجمعوا للترحيب به، وحتّى يومنا من لم يقرأ مسيرة كاسترو لا يدرك كيف أنّ مسيرة قائد مثله كان يمكن أن تعيد رسم سياسة قارة بأكملها، فخلال أربع سنوات من ولايته كادَ أن يجعل العالم على حافة الدمار النووي.
ولمن لم يقرأ التاريخ، لا بدّ من التذكير من أنّ طائرات التجسس الأميركية اكتشفت منصات الصواريخ السوفييتية في كوبا ورأت فيها تهديداً مباشرًا للولايات المتحدة نتيجة المسافة القصيرة التي تفصل بين كوبا والولايات المتحدة (90 ميل). وقامت البحرية الأميركية بتشكيل خط بحري يعمل على تفتيش السفن المتجه إلى كوبا، وفي 27 تشرين الأول 1962، بعث الرئيس الكوبي كاسترو برسالة خطية للرئيس السوفياتي يحثه فيها على شنّ هجوم نووي على الولايات المتحدة، واتسمت حينها العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا بالعدائية. 
إذًا فمسيرة القائد الشعبي ترسم سياسات وتحدّد بعض الأقدار وتغيّر الواقع، لا سيّما وأنّ الشعب يتمسّك بقائد المسيرة المحنّك والذي يحمي الناس وليس بالسياسة العابرة.. فلنقرأ التاريخ.

المصدر: History Today