اتفاقات الغرف السوداء تتبخّر... والتسوية "التهريبة" سقطت

ربيع سرجون |

عند الإمتحان يُكرم المرء أو يهان. لا تترك بعض القوى السياسية فرصة إلّا وتثبت فيها أنها لا تزال قابلةً للمزيد من الإهانات. وفي الأزمات يختلف الشركاء فيما بينهم على الحسبة والقسمة. وهذا هو الحال الحاصل معهم منذ أيام على خلفية فشل غرفهم المغلقة في إنتاج اتفاقاتهم وإظهارها إلى الضوء والعلن. تماماً سياستهم تشبه "التعفن" الذي لا يصمد في الضوء وتحت أشعة الشمس. كل ما ينتجونه في الغرف المغلقة يتبخر عند خروجه إلى النور، ويصبح تحت ميزان عدل الشعب.

وما إن تسقط محاولاتهم حتّى يبدأون بكيل الاتهامات إلى بعضهم البعض. ويوم تشكيل هذه الحكومة التي استقالت تحت ضغط الشارع، خرج وليد جنبلاط بموقفٍ واضحٍ موجهاً سؤالاً إلى الرئيس سعد الحريري، قائلاً له: "ماذا فعلت باتفاق الطائف يا سعد الحريري". والمقصود بالسؤال هو ما الذي فعله الحريري، وشركاؤه في التسوية، في الدستور الذي انتهكوه أكثر من مرة. انتهكوه في المحاصصة، والقسمة، والتوزيع، غير آبهين بأي قواعد أو حسابات إلّا الحسابات الضيّقة والخاصة.

بالأمس عاد الحريري إلى كلام وليد جنبلاط من خلال انتفاضته العلنية، التي تأخرت، على ممارسات التيار الوطني الحر ورئيسه وكوادره. أصدر الحريري بياناً عنيفَ اللهجة تجاه باسيل وممارسته، واتّهمه بعرقلة كل التوافقات والمساعي لتشكيل الحكومة الجديدة. ووصف البيان باسيل بأنه ينتهك صلاحيات رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية معاً، وكأنه يتصرّف كالحاكم بأمره وبلا أي مواجهة من أي طرف، إلى أن انفجر الحريري وعبّر عن كوامنه.

التسوية التهريبة التي كان يريد باسيل تكريسها وتمريرها بترشيح محمد الصفدي لرئاسة الحكومة، وفرض الشروط والفروض عليه، قبل أن يتكلف من النواب ورئيس الجمهورية حتى، هو خرقٌ للدستور بعينه، وتغيير لقواعد الإدارة السياسية العامة في البلاد، ولاحترام مبدأ المؤسّسات. ولم تقف تجاوزات باسيل عند هذا الحدّ، إذ كان يهدف أيضاً إلى العودة إلى الحكومة والبقاء فيها وزيراً ثابتاً، وفق ما يؤكد أكثر من مصدر متابعٍ لمجريات المفاوضات. أما الأجواء التي أوحى بها باسيل بأنه مستعد للخروج من المعادلة الحكومية فلم تكن إلا تسويفاً وأوهاماً.

ممارسة باسيل توضح أنه لا يزال يمارس تعاليه، مقابل إهماله الكامل والتام لمطالب الناس، والإعتداء على الدستور، خصوصاً وأنه هو من اختار المرشح لرئاسة الحكومة، وأعلن عن الاتفاق على اسمه، وعن موعد الاستشارات. وبعد سقوط التوافق، أعلن الصفدي انسحابه من السباق بعد لقائه باسيل، وذلك في إعلانٍ مستمر عن امتهان موقع رئاسة الحكومة.

لكن الردّ على تعالي السياسيين عن هموم الناس ومطالبهم، وتجاوزاتهم للدستور والقانون، لا يمرّ عند اللبنانيين المنتفضين، الذين يعرفون كيف يردّون على ما يتعرضون له، فكان ردّهم واضحاً في إسقاط الصفدي قبل تكليفه.