الحراك بين ديناميات التغيير والخطوط الحمر

د. حاتم علامي |

إذا كانت التحركات المفصلية للسابع عشر من تشرين الأول قد شكلت هزة مدوية في الواقع اللبناني في أبعاده المختلفة وجاءت لتحدث أثراً عميقاً في مقاربة التطورات، فإن الخيارات المطروحة تشكل مدعاة لتفعيل رؤية بحجم طموحات الشعب اللبناني والتعامل بفكرٍ نقديٍ خلاق مع تحديات الخصوصية اللبنانية. 

إن النتيجة الأولى للانتفاضة تتمثل في إزاحة الوضع اللبناني بيومياته السياسية من تحت عباءة الإنقسام السابق الذي حكم الساحة وعبر عن نفسه بالإصطفافات المحلية التي عكست بدرجات مختلفة التأثيرات الدولية الإقليمية في مسار التطورات، كما أن وصول الحراك إلى مفترق جديد مع التحضير لحكومة جديدة يثير مسائل عدة مرتبطة بخيارات وتوازنات معينة ويصبح الثائرون أمام تحديات أكبر. 

إن أبرز أهم العناوين التي أطاح بها الحراك يتمثل في ضعضعة الستاتيكو الذي كان قائماً ولم يتوقع معه أحد من المعنيين الزخم الذي يمكن أن تعبر عنه النقمة، إلا أنه مع التفاعل مع إحداثيات الحراك ومستواه وتنوع واختلاف المشاركين فيه من المناطق والمذاهب والأحزاب والأطياف المختلفة من الوهم أن ننساق الى التسليم بالرأي القائل بأن انقلاباً نهائياً مطلقاً قد حصل في مفاهيم ومعتقدات الشعب اللبناني والخروج من الشرنقة الطائفية بالمستوى وبالمدى المطلوب لمصلحة مسارات جديدة في العلمانية وتشكيل المرتكزات لقيام الدولة المدنية مع أننا نأمل ذلك وننحاز إلى الساعين لتكريسه.

لابد من التوقف بادئ ذي بدء عند صيرورة التغيير لتفعيل نوع من مقاربة المسار والنتائج المحتملة حيث من المعروف أن هذه الصيرورة تتوقف عند سياقات تتعلق بتغيير في السياسات أولا ارتباطاً بتأثير المتغيرات التي تنشأ على الساحة، ويتعلق الأمر هنا بمجموعة من الخطوات تشكل الورقة الإصلاحية التي اعلن عنها رئيس الحكومة المستقيلة سعد الحريري نموذجاً لها فضلاً عن إمكانية التعاطي مع قرارات جديدة تشكل الجوانب المختلفة على الصعد السياسية والإقتصادية والإجتماعية والمالية والنقدية، وفي مرحلة لاحقة يمتد السياق إلى التغيير في المنظومة التي تشكل بنى النظام وصلته مع بناء الدولة والآليات السلطوية ومكوناتها وهنا يمكن الحديث عن القوانين الانتخابية وتطوير التشريعات والقوانين كنموذج للتغيير في المنظومة، وهو ما يؤدي إلى المستوى العام إلى خلق بيئة جديدة تفتح لآفاق جديدة بالنسبة إلى لبنان ومستقبله.

بين المد الذي حققه الحراك وحرارة الانتفاضة التي استمدت وهجاً إضافياً من استشهاد الشهيد علاء أبو فخر الذي جاء استشهاده ليكشف الأمراض التي يعاني منها لبنان على صعيد المؤسسات والمجتمع وبين الخطوات التي انتهت إليها حركة الاتصالات يمكن القول أن مصير الحراك الشعبي يتقرر في ضوء مجموعة من الخطوط الحمر التي ترتسم في الخارطة اللبنانية بحيث تضع أمام التحرك تحديات نوعية أبرزها:

1-السؤال حول مدى الحراك وتأثيراته وتفاعلاته بالنظر إلى الخارطة التي تكرست في خلال الشهر المنصرم، والسؤال مستمد من الواقع اللبناني بتوزع مكوناته السياسية والطائفية والمذهبية وأطيافه المتنوعة وتأثرها بالحراك والتعاطي معه، ولاسيما أن مناطق واسعة من لبنان بدت غير معنية بالتطورات.

2-على صعيد استقطاب الحراك للفئات المشاركة فيه بالنسبة إلى الإنتماءات وبالنسبة إلى الانسجام في صفوف الثائرين وتوجهاتهم وأهدافهم وتطلعاتهم وقدراتهم، ويقع على عاتق المؤمنين بالحراك والمتابعين لتطوره التوصل إلى خطة وآليات لضمان زخم المشاركة، وبقاء التفاعل ضمن وتيرة إيجابية على مستوى الذين نزلوا إلى الشارع أو الذين عبروا عن تأييدهم بطرق مختلفة.

3-التحدي الذي يواجه الحراك بالنسبة إلى الخيارات المحتملة إزاء القوانين والأنظمة السائدة، ومعها ما يتعلق بموقف معظم اللبنانيين من تحمل مسؤولية عدم التلاعب بمصير البلد وتعريض السلم الأهلي في حال الخروج على منطق الدولة والقانون وعمل المؤسسات، ويبرز هنا موضوع معاناة اللبنانيين مع خيار قطع الطرق أو تعطيل الحياة العامة.

4-إن موضوع الوقوف في مواجهة مع الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية يلقي تحديات أساسية بالنسبة إلى حاضر الحراك ومستقبله ويتطلع اللبنانيون بأمل إلى الحراك لإبعاد المواجهة عن أية منزلقات تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.

5-الواقع الاقتصادي المعيشي وضرورة تجنب أية مسالك تضع الحراك تحت طائلة المسؤولية أو تضعه في مواجهة مع مطالب الناس، الأمر الذي يستدعي متابعة رشيدة لموضوع إقفال الطرقات وتعطيل المرافق العامة، خاصة وأن شبح الحاجة أو افتقاد المواد الأساسية يخيم على الساحة.

6-الواقع النقدي المالي حيث برز أن المتحكمين الذين يتحملون وزر وصول البلد إلى الواقع الحالي يتخذون من الحراك ذريعة للاستخفاف بحق الناس في تأمين مستلزمات الاستمرار وحماية النقد الوطني وحقوق المودعين. 

7-بالنظر إلى هذه التحديات التي تشكل الخطوط الحمر في خارطة الحراك فإن امتلاك بوصلة لتثمير إيجابيات الحراك يشكل أولوية أساسية في ظل التعقيدات التي تميز واقع لبنان وفي ظل خطر الوقوع في أوهام تفرغ الحراك من زخمة ومضامينه..

وإذا كان الحراك قد أظهر حتى اليوم وجود نخبة تمتلك القدرة على التعاطي مع الواقع الذي يتصف بكونه رمال متحركة، فإن المستقبل القريب والبعيد يطرح المزيد من الأسئلة حول القدرة على استمرار الحراك كلاعب أساسي في ملعب التغيير، ويتعلق الأمر هنا بالتكتيك الذي يمكن اعتماده وتبني برامج وخطط لتفعيل المنجزات التي تمثلت في التحول الذي جسدته ساحات التغيير.

لقد حان الوقت لبلورة ثقافة للتغيير من خلال توليد أفكار من ساحة الحدث ليتم إنطلاقاً منها صياغة شعارات عابرة للمناطق والطوائف وتجاوز أشكال السلطة التقليدية والإطاحة بالصيغة التدويمية للبنان المحاصصة والطائفية والولاءات الإقليمية والدولية.  
  
(*) أكاديمي وباحث سياسي