مجلس البطاركة: للاسراع باتخاذ التدابير الدستورية لتأليف الحكومة

الأنباء |

طالب مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك رئيس الجمهورية العماد ميشال عون "الاسراع في اتخاذ التدابير الدستورية الواجبة لتأليف الحكومة وحماية لبنان وسيادته واستقلاله ووحدة شعبه، والنهوض بالاقتصاد تجاوباً مع طموحات اللبنانيين". ولفت البطاركة الى أن "ما يشهده لبنان منذ 17 تشرين هو انتفاضة تاريخية تجاوز فيها الشعب الانتماء الحزبي الى الانتماء الوطني". واكدوا ان "شباب لبنان ما كانوا لينتفضوا لو لم تبلغ معاناتهم حدها الاقصى ورؤية الانهيار الاقتصادي وتغليب المحاصصة في الحكم فراحوا يطالبون بحكومة ذات استقلالية وفعالية لكي تستطيع القيام باصلاحات". واذ تبنى البطاركة المطالب المحقة للشعب دعوا المعتصمين "الى توخي الحكمة ليبقى اعتصامهم سلميا ولا يستغل سياسياً كما يدعونهم للابتعاد عن التشنج والعنف والكلام النابي".

عقد مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان دورته السنوية العادية الثالثة والخمسين في الصرح البطريركي في بكركي، من الحادي عشر حتى الخامس عشر من شهر تشرين الثاني 2019، برئاسة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي، وبمشاركة البطاركة، مار يوسف العبسي، بطريرك أنطاكيه وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم للروم الملكيين الكاثوليك، ومار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، بطريرك أنطاكيه للسريان الكاثوليك، ومار كريكور بيدروس العشرين، بطريرك كاثوليكوس الأرمن الكاثوليك على كرسي كيليكيا، والمطارنة، والرؤساء العامين والرؤساء الأعلين، والرئيسات العامات أعضاء المكتب الدائم للرهبانيات النسائية. وشارك في الجلسة الافتتاحية السفير البابوي المطران جوزف سبيتري. كما شارك في موضوع الدورة خبراء وأخصّائيون في الإعلام.

في البداية البطريرك الراعي، رئيس المجلس في كلمته الافتتاحية بالأعضاء الجدد. وصلّى مع الآباء لراحة أنفس المثلّثي الرحمة البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، البطريرك الماروني السابق، والمطران رولان أبو جوده والمطران كميل زيدان.

ثم عرض موضوع الدورة العام بعنوان "الكنيسة ووسائل الاعلام والتواصل الاجتماعيّ والرقميّ"، مشدّدًا على ضرورة أن "تخاطب الكنيسة شبابها وتستمع الى همومهم وتقدّر رأيهم في المساهمة لإخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية والمالية والسياسية"؛ ولإعطاء الحياة الكنسية والاجتماعية انطلاقة جديدة ترتكز على القيم الروحية والأخلاقية. ولفت الى أن دورتنا "تتزامن مع مستجدّات جذرية على مستوى شباب لبنان وشعبه الذين انتفضوا انتفاضة تاريخية وحضارية" للتعبير عن فقدان ثقتهم بالقادة السياسيين" وعن رغبتهم برؤية وجوه نظيفة" تلتئم في حكومة مصغّرة فاعلة تستطيع إجراء الإصلاحات اللازمة ومكافحة الفساد وضبط المال العام". ودعا المدارس والجامعات الكاثوليكية الى ترشيد الإنفاق وعدم زيادة الأقساط مطالبًا الدولة بدعم الأهالي في جزء من الأقساط صونًا لحرية التعليم.

ثم ألقى السفير البابوي كلمة نقل فيها أولاً "الى أعضاء المجلس والى سكان أرض الأرز النبيلة" بركة قداسة البابا فرنسيس وقربه بالصلاة من الجميع"، مذكّرًا بالرسالة التي وجهها قداسته الأحد 27 تشرين الأول الى "الشعب اللبناني العزيز، وبخاصة الى الشباب، داعيًا الجميع الى إيجاد الحلول المحقّة عن طريق الحوار". ثمّ توقّف عند الحدث الوطني الذي يتمثّل "بالانتفاضة الشعبية المذهلة التي انبرى فيها المتظاهرون، وبخاصة الشباب والصبايا، موجّهًا اليهم الشكر على الدينامية الإيجابية التي خلقوها والتي لا ينبغي أن تنطفئ بأي شكل من الأشكال، وعلينا أن نعمل كلّ ما بوسعنا كي يكون تحرّكهم حافزًا للبنان متجدّد، أكثر عدالة وديمقراطية، وأكثر تضامنًا وأخوّة".

وبعد أن وجّه البطريرك الراعي باسم المجلس برقية الى البابا فرنسيس عن أعمال الدورة، وطلب بركته الرسولية عليها وعلى كنائسنا وشعبنا في لبنان، باشر الآباء بدراسة المواضيع المطروحة، وأصدروا البيان التالي:

أولاً: وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي والرقميّ

استمع الحاضرون الى الأب عبدو بو كسم، مدير المركز الكاثوليكي للإعلام، الذي عرض "لواقع الإعلام في لبنان وتحدّياته"، وأهمّها: الشحّ في الأموال الذي يوصل الى الارتهان وغياب الحرية، وغياب القوانين التي تنظّم الإعلام الالكتروني، ومشكلة الأخبار الكاذبة والإشاعات، ومعاناة الصحافة الورقية والمحطات التلفزيونية، وتدنّي مستوى البرامج التي تقدّمها، وأهمية المواقع الالكترونية ومخاطرها، وبعض المشكلات المرتبطة بالسينما والمسرح، لا سيما ما يتّصل منها بالتعرّض للدين والأخلاق. وأنهى كلامه مطالبًا بضرورة رسم خطة للتنسيق بين وسائل الإعلام المسيحية تتناول موضوع الاعلام الكنسي وتحديث مهام اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام.

وعقّب على العرض الكولونيل ألبير خوري متكلّمًا عن مكافحة الجرائم المعلوماتية وموصيًا بتنشئة الناس والشباب على حسن استعمال وسائل التواصل. ثم الدكتورة ميرنا أبي زيد متكلّمة عن سرعة انتشار المعلومات في مواقع التواصل الاجتماعي وموصية بالتوعية على الاعلام في المدارس للتلاميذ والأهل وبتحصين الجميع أمام سوء استعمال وسائل التواصل.

ثم استمعوا الى المطران بولس مطر، رئيس اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام يعرض لتعاليم الكنيسة حول وسائل التواصل الاجتماعي، منطلقًا من أن الكنيسة الكاثوليكية قد وضعت نفسها في جوّ محاكاة العصر والحضور المتفاعل مع مستجدّاته المتنوّعة. وبما أن وسائل الإعلام والتواصل قادرة أن تخدم الكنيسة في نشر الإنجيل، فإنّ عليها أن تستخدمها، وهي تعتبرها عطايا من الله، لتعلن للعالم رسالة الخلاص. غير أن الكنيسة لا تواجه شرّ الإعلام أو استعماله السيّئ بل تؤكد أن هذه الوسائل بإمكاناتها واستعمالها الصحيح تصير عامل تقدّم إنساني أكيد وترتقي من طاقات للحوار الى طاقات لتحرير الشعوب عبر قول الحقيقة وتبنّي قيم المساواة والعدالة والسلام.

عقّب على العرض الدكتور ميشال اللفّة متحدّثًا عن الالتزام المسيحي في وسائل الإعلام في الوقت الراهن. ثمّ الدكتورة ماري نويل خوري مشدّدة على رسالة الإعلاميين المستوحاة من القيم والأخلاق المسيحية.

ثم استمعوا الى الوزير السابق ملحم رياشي الذي تناول الإعلام كرسالة يقوم بتأديتها إعلاميون من الواجب أن يتحلّوا بقدر كبير من الثقافة والمعرفة الى جانب أخلاقيات وآداب ترعى ممارستهم لهذه المهنة. وشدّد على دور المسيحيين والكنيسة في مواكبة تطوّر وسائل الإعلام والتواصل ليكون الإعلام الكنسي حاضرًا في يوميات الناس. ثمّ اقترح على المجلس بعض التوصيات تتعلق باستحداث وزارة للحوار والتواصل وإنشاء مرصد للعائلة اللبنانية.

وعقّب على العرض الدكتور هاني صافي متحدّثًا عن أهمية حضور الإعلام الكنسي في وسائل الإعلام والتواصل العامة وإيصال الكلمة بلغة شباب اليوم.

ثانيًا: الأوضاع في لبنان

استمع المجتمعون الى الرئيس العام للرهبانية المارونية الأباتي نعمة الله الهاشم يقدّم قراءة اقتصادية واجتماعية وسياسية وكنسية للأوضاع الراهنة.

وبعد المناقشة اعتبروا ان ما يشهده لبنان منذ 17 تشرين الأول هو انتفاضة تاريخية تجاوز فيها الشعب الانتماء الطائفي والمذهبي والحزبي الى الانتماء الوطني الذي كان القاعدة الأساسية لبناء لبنان الكبير منذ مائة سنة.

كما لاحظوا أن شباب لبنان وشعبه ما كانوا لينتفضوا لو لم يبلغ وجعهم حدّه الأقصى من المعاناة من الفساد وفقدان الثقة بالقادة السياسيين، ومن الانهيار الاجتماعي والاقتصادي وتغليب المحاصصة والزبائنية في الحكم السائدة منذ سنوات طويلة. فراحوا يطالبون بحكومة ذات مصداقية وفعاليّة، لكي تستطيع إجراء ما يلزم من إصلاحات في الهيكليات والبنى، ومن مكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة وضبط المال العام، وبتأمين التعليم وفرص العمل، وتوفير الضمانات اللازمة لمختلف فئات المجتمع.

يرى المجتمعون في ظاهرة الاعتصام في الساحات والشوارع حدثًا فريدًا من نوعه في تاريخ لبنان. وإنّهم إذ يتبنّون المطالب المحقّة، يدعون المعتصمين الى توخّي الحكمة ليبقى تحرّكهم سلميًا وحضاريًا ولا يُستغلّ سياسيًا أو حزبيًا أو إيديولوجيًا، كما يدعونهم الى الابتعاد عن التشنّج والعنف والكلام النابيّ. ويطالبون فخامة رئيس الجمهورية الإسراع في اتّخاذ التدابير الدستورية الواجبة لتأليف الحكومة وحماية لبنان وسيادته واستقلاله ووحدة شعبه، والنهوض بالاقتصاد وبناء دولة القانون عبر اختيار أصحاب الكفاءات لخدمته، تجاوبًا مع طموحات جميع اللبنانيين وبخاصة الشباب.

ثالثًا: مناقشة قانون رابطة كاريتاس وانتخابات إدارية

عرض المطران ميشال عون حيثية التعديلات المقترحة على القانون الأساسي لرابطة كاريتاس لبنان، لا سيّما ما خلصت اليه الدراسات التي تمّت حول أعمالها وما طرحته من اقتراحات، وبخاصة موضوع الفصل بين المهمة الرقابية والاستراتيجية والمهمّة التنفيذية.

ثمّ عرض فادي إبراهيم للهيكلية الجديدة المقترحة للرابطة ولمواد القانون الأساسي والتعديلات التي أدخلت عليه.

ناقش الآباء القانون المقترح. وبعد أن قرأوه بندًا بندًا قدّموا ملاحظاتهم عليه.

ثم أُجريت تعيينات وانتخابات إدارية داخلية، كانت نتيجتها كالتالي:

كذلك، عيّن البطريرك الراعي، رئيس المجلس، المطران ميشال عون رئيسًا للهيئة التنفيذية، والمطران منير خيرالله عضوًا فيها.

وعيّن البطريرك يوسف العبسي المطران جورج بقعوني نائبًا لرئيس الهيئة التنفيذية والمطران أدوار جاورجيوس ضاهر عضوًا فيها.

وعيّن البطريرك اغناطيوس يوسف الثالث يونان المطران ماتياس شارل مراد عضوًا في الهيئة التنفيذية.

كما انتخب المجلس: المطران ايلي حدّاد والأم ماري أنطوانيت سعادة، عضوين في لجنة الترشيحات؛ والمطران بولس روحانا، رئيسًا للّجنة الأسقفية اللاهوتية الكتابية؛ والمطران أنطوان نبيل العنداري، رئيسًا للّجنة الأسقفية لوسائل الإعلام؛ والمطران جوزيف معوض، رئيسًا للّجنة الأسقفية للعلاقات المسكونية؛ والمطران ماتياس شارل مراد، رئيسًا للّجنة الأسقفية للحوار المسيحي الإسلامي؛ والأم نيكول حرّو، نائبة رئيس اللجنة الأسقفية للتعليم المسيحي؛ والأب العام مارون مبارك، نائب رئيس اللجنة الأسقفية اللاهوتية والكتابية؛ والأم برناديت رحيّم، نائبة رئيس اللجنة الأسقفية لراعوية الخدمات الصحية؛ والمطران جورج بقعوني، مشرفًا على العمل الرعوي الجامعي؛ والمطران الياس سليمان، مشرفًا على رابطة الأخويات؛ والأب كلود ندره، الراهب اللبناني، أمينًا عامًا لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان؛ والأب ادمون رزق المريمي، مرشدًا عامًا لرابطة الأخويات في لبنان؛ والأب روني الجميّل اليسوعي، مرشدًا عامًا للعمل الرعوي الجامعي؛ والخوري روفائيل زغيب، مديرًا وطنيًا للأعمال الرسولية البابوية.

خاتمة

وفي الختام، يتوجّه المجتمعون بصلاتهم الى الله الذي اختار لبنان أرضًا مقدّسة ودعاها لتسمو نحوه كالأرز، طالبين اليه بشفاعة العذراء مريم وسيدة لبنان، أن ينير عقول المسؤولين السياسيين كي يعملوا بروح التجرّد على حلّ أزمة الحكومة، ونتائجها الاقتصادية والمالية والاجتماعية. ويصلّون من أجل شعب لبنان وشبابه كي يشبكوا الأيدي ويتضامنوا من أجل بناء دولة ووطن يصونان حرية الانسان وحقوقه في عيش كريم، ويبقوا متمسّكين بثقافة الأخوة والعيش الواحد والسلام.

ويطلبون من أبنائهم وبناتهم أن يثابروا على رفع الصلوات في العائلات والرعايا والأديار والأبرشيات كي يعمّ السلام في بلدان الشرق الأوسط وبخاصة في لبنان فيبقى الوطنَ الرسالة ومختبرًا للحوار والتواصل.