العهد والاتجاه المعاكس!

رامي الريّس |

واضحٌ أن العهد ورموزه، وبعض حلفائه، يقودون البلاد في الاتجاه المعاكس تماماً لما يريده الناس في الثورة، أو الحراك الشعبي. وواضحٌ أن النقاشات السياسية التي تجري على ضفات الدستور والقوانين، والأصول والأعراف، أي مشاورات التأليف، لا تزال تستند إلى المعايير والمقاربات ذاتها التي كانت تُعتمد قبل الثورة، والتي شكّلت في مكان ما سبباً رئيسياً لاندلاعها.

لقد عكست حالة الانفصام والانقطاع عن الواقع نفسها، وفي ذروتها، في المقابلة المتلفزة الأخيرة لرئيس الجمهورية (بمعزل ما إذا كانت تبثّ مباشرةً أو مسجلة، وخضعت بدورها لعملية مونتاج). فالرجل الذي بنى "مجده" السياسي، والشعبي، على عبارة "شعب لبنان العظيم"، دمّر كل منظومته بكلمتين طلب فيهما من الشعب إياه أن "يهاجر"!

هل حصل أن سمعتم رئيساً يخاطب شعبه الغاضب والمنتفض ضده (وضد الآخرين بطبيعة الحال)، منذ نحو شهر في الشوارع والساحات  العامة بأن يطلب منهم الهجرة؟ ثم هل كان من الضروري الاستشهاد بـ"التاريخ"، سائلاً اللبنانيين إذا كانوا يعرفون تاريخه. أغلب الظن أن جميع  اللبنانيين (باستثناء مناصريه طبعاً، وهذا حقهم المشروع)، لا يحملون  ذكريات طيبة عن تاريخه، أقلّه في حربَي التحرير (1989)، والإلغاء (1990).

ففي الحرب الأولى، أطلق معركةٌ غير متكافئة عسكرياً، وفاقدة الغطاء سياسياً. ولم يُحسن قراءة الظروف الدولية والإقليمية، فراهن بشكل خاطىء على تطورات الخليج، وتلقى الدعم العراقي، وسار عكس التيار، معلناً العهود والوعود بأنه "لن يوقّع"، وأنه آخر من يغادر قصر بعبدا، فإذ به يكون أولهم بعد توقيع ورقة "تسليم إمرة القيادة".

أما حرب الإلغاء التي خاضها  تحت عنوان "بندقية الشرعية"، فإنها - لو سلّمنا جدلاً بصحة شعارها - تدين خطابه وموقفه بعد وثيقة مار مخايل وصولاً إلى حيرته الراهنة والمتصلة بالتراجع عن نقاش الاستراتيجية الدفاعية، متسائلاً ضد من يُفترض أن تواجه: "روسيا أم  أميركا"!

مهما يكن من أمر، فإن رئيس الجمهورية سجّل سابقة خطيرة للرؤساء الذين سيخلفونه (إذ ا بقيت الجمهورية طبعاً)، ألا وهي إطلاق مشاورات التأليف قبل التكليف. فتحتَ عنوان ألا تطول مدة التأليف الحكومي، خرق الرئيس الأعراف وروحية الدستور. إذ كان من المفترض إجراء المشاورات بصورة عاجلة نظراً للتدهور السريع الذي تشهده البلاد على كل المستويات، ثم  يتعاون مع الرئيس المكلّف في عملية تشكيل الحكومة الجديدة، لا العكس!

خلاصة الأمر أن الاستحقاقات الاقتصادية والمالية داهمةً جداً، وقدرة مواجهتها في غاية الصعوبة إذا كان ثمة حكومة قائمة وفاعلة، فكم بالحري إذا لم يكن هناك حكومة؟

صدق من قال: "الناس رجلان، رجل نام في النور، ورجل استيقظ في الظلام"!