آراء في الحراك العربي الراهن

غالباً لا يريد المشاركون بأي حراك شعبي كبير سماع أصوات من خارج الحلقة، ولا يرغبون في الدخول بنقاش مع آخرين في مدى صوابية أفكارهم الثورية. وتغلُبُ على هؤلاء الراديكالية المطلبية المُتشدِّدة والمتناسبة مع المشاعر الانفعالية للحظة السياسية التي يعيشونها. لكن الوقائع التاريخية تؤكد أهمية التقييم الفكري، أو التشخيص السياسي لمدى التناسُب بين حجم الحراك الشعبي وتوقيته وبين حجم الأهداف المطلبية المُعلنة؛ لأن التقييم الصحيح يمكن أن يُسهم في تصويب النتائج، ويمنع الانزلاقات غير المحسوبة التي تنعكس سلباً على واقع الحراك ومستقبله.

إن الفئة الحاكمة المُستهدفة من الحراك الثوري غالباً ما تُخطئ في التعامل مع هذا الحراك، فتبدأ بحماية نفسها عن طريق شيطنة الثورة، وتشويه دوافعها وصولاً إلى حد تخوين رموزها، أو القائمين بها. لكن لهذا الأسلوب الغالب استثناءات، وقد تعامل الكثير من القادة عبر التاريخ بواقعية راقية مع ثورات حصلت، واستقالوا على الفور من مهامهم، أو أنهم سارعوا لتلبية مطالب الناس، أو أقنعوا المعترضين بالمعطيات التي يملكونها ولا يعرفها عامة الجمهور، خصوصاً في ما يتعلَّق بإثبات التدخلات الخارجية؛ لأن هذا الأمر مهم جداً، حيث إن اتهام الحراك الشعبي بالعمل بموجب أجندة خارجية له محاذير كبيرة، وعدم إثباته من الحاكم بأدلة دامغة، ينعكس سلباً عليه.

يقول علماء في الاجتماع السياسي: إن رصد حركة تاريخ الثورات أو التحولات في العالم غالباً ما يحمل دورة زمنية محددة، يمكن أن تكون في حدود الثلاثين عاماً، وهذا مرتبط في أغلب الأحيان بتحولات سياسية كبرى، وبمزاجية شعبية تستند إلى صراع الأجيال؛ لأن مدة الاندفاعة الحيوية للشباب تكون ضمن هذه المهلة الزمنية التي تتبدَّل معها القدرة الاندفاعية، وبالتالي فإن غريزة التغيير أو التبديل قائمة عند الناس، وعلى القائد مراعاتها أو استيعابها، أو إفساح المجال لها لتأخذ دورها، ذلك أفضل من مقاومتها أو الوقوف في وجهها. وأقول هذا على سبيل التقدير النسبي وليس انطلاقاً من محددات ثابتة؛ لأن حركة الشعوب لا يمكن سجنها في قفص هذه المحددات، ولا هي ثابتة على الدوام، وتدخُل في تحريكها عوامل متعددة، أبرزها جَور الحاكم واستبداده، أو عدم قيامه بواجب رعاية مصالح الشعب كما يجب.

ويمكن في هذا السياق إعطاء أمثلة على التحولات «الثلاثينية» الدورية: مرور ما يقارب 30 عاماً على التحولات العالمية التي حصلت عند انفراط الاتحاد السوفييتي السابق، وما نتج عنه من أُحادية قطبية بدأت بالأفول مع المقاربات المختلفة التي تعتمدها السياسة الأمريكية وصعود الصين، ويمكن أيضاً تصنيف الحراك العراقي الواسع اليوم بعد مرور ما يقارب 30 عاماً على الانزلاقات الرعناء للنظام وما تبعها من تدخلات خارجية. كما يمكن اعتبار الثورة اللبنانية الحالية الشاملة بمنزلة نهاية مرحلة بدأت مع نهاية الحرب الأهلية وتعديل الدستور عام 1990.

الحراك الثوري الراهن في أكثر من بلد في العالم ينمّ عن تحولات استثنائية في الثقافة السياسية عند الشعوب، ومن الواضح أن هذه الثقافة تُغلِّب الهموم المعيشية على الشؤون العقائدية أو الدينية. وأجيال الشباب تنتفض على ميثولوجيا لا تُعجبها في مقاربة الشؤون الحياتية، وهي غير مُستعدة للتضحية برفاهها، أو بتأمين مستقبلها لحساب أية عقيدة أو ديانة؛ لأنها مؤمنة بأن الديانات السماوية والعقائد ولِدت لخدمة الإنسان وليس العكس.

لكن أجيال الشباب الثائرة على الوقائع المُزرية - مثال لبنان والعراق - مُطالبةٌ بقراءة متأنية للوقائع السوسيوبوليتيكية والجيوبوليتيكية؛ كي لا تقع في المحظورات التي قد تؤثر سلباً في طموحاتها المستقبلية، ذلك أن الثقافة الإلغائية لكل ما سبق لها مخاطرها، ووضع الأهداف يجب أن يتلاءم مع المعطيات المتوافرة؛ كي تتوضَّح التوقعات ولا تخيب الآمال.