عن خطابات رئيس الجمهورية التي تفاقم الأزمة!

فوزي أبو ذياب |

أدخلت اطلالة العماد ميشال عون التلفزيونية البلاد في انعطافه جديدة من نفق الأزمات المتفاقمة التي دخل بها لبنان منذ عودة العماد من منفاه الباريسي حتى اليوم، فبعد تعطيل البلاد لأشهر عديدة لفرض توزير صهره المدلل جبران باسيل بعد الانتخابات النيابية نهاية العام 2005، ثم تعطيل البلاد تحت شعار المشاركة الفعلية في السلطة لأكثر من سنة ونصف والتي انتهت في احداث 7 أيار 2008، ثم بتعطيل المجلس النيابي وإدخال البلاد في الفراغ الرئاسي مدة سنتين ونصف الى اليوم حيث يحتفل بانقضاء نصف ولايته التي لم تكن خالية من الخضات والأزمات والمضايقات والصفقات، وكم الافواه واستفزاز الجمهور اللبناني من قبل رئيس تياره جبران باسيل الذي يتحمل مسؤولية احداث البساتين – قبر شمون، والتي استولدت تحركات اعتراضية وإعلامية وقانونية بوجه ممارسات العهد وسلوكياته الموتور، حيث شكلت تظاهرة منظمة الشباب التقدمي في 14 تشرين الأول، أولى الصرخات الاعتراضية على استمرار العهد الفاشل، والتي جاءت الثورة الشعبية في 17 تشرين الأول لتكملها في سياق وطني مطلبي اجتماعي بعد ان وصلت البلاد الى ازمة اقتصادية ومالية حادة.

لقد رفعت "الثورة" منذ انطلاقتها شعار اسقاط النظام، وتبلورت في مطالب محددة قابلة للتطبيق الدستوري، أولها تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلة إنقاذيه، مهمتها وقف النزف والمالي والهدر والفساد واستعادة الأموال المنهوبة، ثانيا وضع قانون انتخابي جديد خارج القيد الطائفي بعد ان اسقط المتظاهرين بوحدتهم بنية النظام الطائفي، ثالثاً اجراء انتخابات نيابية مبكرة في مهلة ستة اشهر، وعلى هذا الأساس استجاب رئيس الحكومة سعد الحريري لمطالب الناس وقدم استقالة حكومته.

منذ انطلاق الحراك "الثورة" اطل رئيس الجمهورية اربع مرات في مواقف علنية، الأول دعا فيه المتظاهرين للحوار معه، والثاني بمناسبة ثلاث سنوات على عهده، قدم خلالها مطالعة لإنجازات حكمه، متجاوزا العديد من الانتهاكات التي ارتكبت في عهده، ثم اطل على جمهور تياره المؤيد له ليجدد خطابه الإلغاء الذي قامت عليه سياسته منذ عام 1989، وكانت اطلالته الإعلامية الأخيرة غير الموفقة على قناة الميادين والتي نقلتها المحطات اللبنانية كافة.

بدا رئيس الجمهورية في مقابلته تلك بأنه خارج سياق الزمان والمكان، ، وعلى الرغم من محاولة المحاورين المؤيدين لسياسة محوره وتياره التدخل لتوضيح رأيه، وإعادة تكرار ملخص المقابلة مرات عدة لإيصال الرسالة التي أراد معدوا هذا الحوار إيصالها الى الشارع اللبناني والجمهور الخارجي، في محاولة مكشوفة لتحوير الوقائع الاستثنائية التي يمر بها لبنان، بفعل الانتفاضة الشعبية العارمة التي انطلقت في 17 تشرين الأول ومازالت، عن سياقها الصحيح، لقد وضع الجنرال نفسه في موقع الطرف سياسي مقابل طرف سياسي اخر، ليتخلى بذلك عن موقعه كرئيس لكل اللبنانيين، لا بل حاول تبرير سياسته التي يعتمدها لنقل لبنان من موقع النأي بالنفس عن سياسة المحاور الإقليمية، الى شريك في حلف إقليمي تقوده ايران في مواجهة مع العالم العربي والدولي من خلال التزامه توجهات حزب الله

لقد وضع العماد عون نفسه في مواجهة مع اللبنانيين، وكأنه مازال رئيسا للتيار الوطني الحر، وليس رئيساً للجمهورية التي ينص دستورها على "أن الشعب هو مصدر السلطات"، وان عليه السهر على تطبيق الدستور، والشروع في اجراء استشارات نيابية ملزمة لتكليف رئيس جديد للحكومة، حيث استخف وفي اكثر من زلة لسان "عن قصد او عن غير قصد"، بمشاعر اللبنانيين المنتفضين والغاضبين، حيث قال "من لا تعجبه سياسيتي ليرحل"، لا بل قلل من قيمة وتأثير وحجم المتظاهرين ومن عددهم، بوصفهم "قلة من اللبنانيين" وتصنيف الذين ملؤا الساحات على مدى مساحة الوطن بانهم معادين لسياسته، بعد ان كان قد تبنى في مطلع حديثه مطالبهم، وقال "انه كان يبحث عنهم لملاقاته في مشروعه التغييري".

حاول العماد عون تقديم مطالعة سياسية سبق ان اعلنها قبله امين عام حزب الله، تكرس توازناً سياسياً في السلطة يقوم على نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة وما افرزته من كتل برلمانية نيابية سياسية، تمثل في أي حكومة الى جانب ممثلين عن الحراك الشعبي، ما يعني رفضه تشكيل حكومة اختصاصيين محايدين او غير حزبيين والتي تعرف بـ (حكومة تكنو قراط)، مبررا ذلك ان أي حكومة خالية من السياسيين لن تنال ثقة المجلس النيابي.

يرفض العماد عون كما حزب الله ومن معهم تشكيل حكومة (تكنوقراط)، على اعتبار ان جميع اللبنانيين مسيسين وغير محايدين، وان تشكيل مثل هذه الحكومة تندرج في اطار المؤمرة الأميركية لإخراج حزب الله من الحكومة ومحاصرته، وضرب عناصر قوة لبنان، وهذا ما بدا واضحا في المقابلة بانه احد أسباب اعتذار رئيس الحكومة سعد الحريري عن تشكيل الحكومة الجديدة كما أشار احد المحاورين على الرغم من قول العماد عون انه لازال ينتظر أجوبة القوى السياسية التي قد تأخر الاستشارات النيابية الملزم "كم يوم زيادة".

يحاول حزب الله والعماد عون من خلال طرحهم تشكيل حكومة (تكنو سياسية) استدراج الحراك الشعبي وإغراءه بتمثيله في الحكومة الجديدة، بهدف ضربه ومحاصرته واشغاله بذاته، وتجريده من الالتفاف الشعبي حوله، واغراقه في لعبة تشكيل الحكومات في لبنان، والتي تقوم على قاعدة المحاصصة العددية (الثلث +1) التي دخلت على قاموس تشكيل الحكومات اللبنانية منذ اتفاق الدوحة في أيار 2008، عوضاً عن لعبة التوازنات الطائفية المعتمدة من ميثاق 1943 والتي كرسها اتفاق الطائف (مناصفة بين المسلمين والمسيحيين)، من جهة، ومن جهة أخرى، توجيه رسالة الى المجتمع الدولي تقوم على ابعاد الرئيس سعد الحريري من العودة الى الحكومة لتجاوبه مع خيار الشارع ورفضه ترؤس حكومة سياسية، وبالتالي ابلاغ واشنطن والاتحاد الأوروبي وفرنسا والدول العربية، ان حزب الله هو شريك في السلطة السياسية في لبنان ولا يمكن ابعاده عن الحكم فهو "يمثل ثلث اللبنانيين"، وان الدولة لا تعترض على مواقف امينه العام المعلنة من الدول العربية ومن الولايات المتحدة الأميركية، وأن العهد هو حليف لحزب الله ولا يعارض مشاركة حزبه في حروب المنطقة التي تقودها ايران، وان لبنان هو جزء من محور المقاومة الذي يمتد من ايران الى بيروت عبر العراق وسوريا.

مقابلة العماد عون التي اشعلت الشارع واستفزت اللبنانيين من شمالهم الى جنوبهم وبقاعهم، رفعت سقف المطالب الشعبية من اسقاط النظام الى "اسقاط العهد"، وارتفعت شعارات "ارحل ارحل ميشال عون".