الأعراف الجديدة والعادات القديمة!

13 تشرين الثاني 2019 08:05:00 - آخر تحديث: 13 تشرين الثاني 2019 09:55:08

غريبٌ أداء بعض السلطة ورموزها في لبنان! تجتمع الحكومة في آخر جلساتها قبل الإستقالة، فتقر على عجل ورقة إصلاحية جُمعت بنودها من قصاصات الصحف وبقايا الدراسات متضمنة وثبة كبيرة نحو الخصخصة، أي بيع الدولة بأبخس الأثمان وفي أسوأ الأوقات.

لكن الأغرب هو ما حدث بعد استقالة الحكومة. تأخير في الإعلان عن بدء الاستشارات النيابية الملزمة للتكليف. صحيحٌ أن الدستور لم يحدد لرئيس الجمهورية مهلة معينة للدعوة لهذه الاستشارات ولكن الصحيح أيضاً أن هذه الاستشارات ملزمة بإجرائها ونتائجها، وإلا لما كان نص عليها الدستور كممر إلزامي للعبور نحو الحكومة الجديدة. ثم لا بد من التذكير بأن الدساتير تطبق بروحيتها وليس فقط بنصوصها.

وكما سبق "للتيار الوطني الحر" أن اخترع أعرافاً جديدة في ممارسته السياسة، ها هو رئيس الجمهورية يسجل سابقة خطيرة عنوانها التأليف قبل التكليف. لقد سبق للتيار أن أعلن أسماء وزرائه من الرابية مع حقائبهم قبل اعلان تشكيلها رسمياً من بعبدا (في ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان)، كما سبق له أن سحب وزراءه أثناء اجتماع الرئيس سعد الحريري في البيت الأبيض مع باراك أوباما، فإذ به يدخل الى الإجتماع رئيساً لحكومة ويخرج منه رئيساً لحكومة مستقيلة، من دون حتى مراعاة الحد الأدنى من الأصول والشكليات والأخلاقيات السياسية.

وهو التيار ذاته الذي عطّل لشهور تشكيل الحكومات تمسكاً بشخصية معينة (رسبت في دورتين انتخابيتين متتاليتين)، أو طلباً لحقيبة معينة أو وزارة "سيادية" أو "خدماتية" محددة. ما يجري من مفاوضات جانبية حول التأليف على ضفاف التكليف يشكل مرة جديدة مخالفة صريحة ليس فقط للأعراف، بل أيضاً للمنطق. فعملية تشكيل الحكومة تقع في صلب صلاحيات رئيس الحكومة المكلف بالتشاور مع رئيس الجمهورية وليس العكس.

أما الطامة الكبرى، فتتمثل بالمفاوضات التي تجريها بعض القوى السياسية مع بعضها البعض وكأن شيئاً لم يحدث في البلاد منذ 17 تشرين الأول، وكأن مئات الآلاف من اللبنانيين لم يتحركوا رفضاً للسياسات السابقة والأساليب المتبعة، وكأن بعض القوى السياسية لا تزال غير مدركة أن ثمة لاعبين جدداً سينضمون الى الساحة السياسية وبات لهم رأيهم ووزنهم وثقلهم وتأثيرهم في الشارع في واقع جديد عابر للمناطق والطوائف والمذاهب.

لقد سقط النظام الطائفي من النفوس ويبقى أن يُواكب إسقاطه من النصوص، والخطوة الأولى تكون من خلال إقرار قانون انتخاب على أساس لاطائفي يحرر الحياة البرلمانية اليومية من اللوثة الطائفية، يوازيه إنشاء مجلس الشيوخ (كما نص الدستور ولم يطبق) تتمثل فيه الطوائف والمذاهب كي لا تتوجس من بعضها البعض.

إن النفاذ نحو النظام اللاطائفي في هذه اللحظة السياسية المفصلية من تاريخ لبنان قد يكون الفرصة الوحيدة المتاحة للانقضاض على الصيغة القديمة، وإلا سيؤبّد النظام الطائفي نفسه الى ما لا نهاية. وهنا، مسؤولية الأحزاب العلمانية أن تدفع في هذا الاتجاه من دون أن تعطّل مسار التحركات الاحتجاجية بل توحد رؤيتها معها لعل الخرق التاريخي المنتظر يتحقق، وإلا، على لبنان السلام.