طناجر ثورة الشباب تطيح بأغنياتنا الثورية!

بسام سامي ضو |

بالإضافة إلى تقديمهم صورةً مشرقة قلبت تلك النظرة السلبية التي اعتدنا وسمهم بها، تبدو ملفتةً تلك المظاهر المبهجة التي عبّر عنها الشباب وابتكروها وأبدعوا في تجسيدها بعفويةٍ تشبه أسلوب تعاطيهم اليومي مع الحياة: بساطة وتلقائية وواقعية ووضوح وفعلٌ مباشر ومختصر، واعتمدوا لها "لغتهم" الشابة التي قد نراها فجّة بما فيها من تعابير نابية يتلفظون بها بتلقائية (وإن كنت لا أوافق على استخدامها في الشخصي)، لكنها لغتهم، وهُم هُم، وليسوا نحن الذين اعتدنا المجاملات والمواربة.

لا شك في أنهم منحونا أكثر من فرصة كي ننتفض على واقعنا الذي نرفضه ونشكو منه علناً ونرتضيه فعلاً، وخذلناهم مراراً، فبادروا هم.. خشينا عليهم ومنهم، ولم نثق بقدرتهم على الصمود فالتأثير تمهيداً لإحداث تغيير، لكنهم فعلوها وفاجأونا، وأفرحونا بما يملكون من وعيٍ وإصرار أجادوا التعبير عنهما.

أجمل ما في هؤلاء الشباب أنهم لا يريدون الإصغاء إلينا، وإن فعلوا فمجاملةً لا اقتناعاً، ولا يرغبون في التشبّه بنا أو استنساخنا، نحن الذين- بتسليمنا للأمر الواقع وزعمائه وحاشيتهم- ساهمنا في حرمانهم من أبسط حقوقهم، بل من كامل حقوقهم.. وأجمل ما فيهم أيضاً واقعيتهم التي تناقض غرقنا في أحلامٍ أكاد أجزم أننا لم نحقّق منها شيئاً، ولم نتقن سوى الغناء بكاءً على أطلالها.. بل حتى أغنياتنا وكل قصائدنا وأناشيدنا ومعلّقاتنا في "ثوراتٍ" وُلدت موؤودة، تجاوزها هؤلاء الشباب، وبالكاد استعانوا في ثورتهم هذه ببضع أغنيات تتميّز بإيقاعها الحماسي، أو بإمكانية تحوير كلماتها إلى ما يلائمهم. والملفت أيضاً أنّهم لم يتبنّوا أيّ أغنية جرى إعدادها "على السريع" لتكون نشيد الثورة كما جرت العادة، بل إنّ فنانين اعتادوا أن "يركبوا موجة" كل حدثٍ يشهده البلد لتركيب أغنيةٍ تناسبه، لم يتجرّأوا هذه المرة على مثل هذه الخطوة، لإدراكهم بأنّ الشباب لن يصدّقوهم.. حتى مشاركة الفنانين مارسيل خليفة وأحمد قعبور وخالد الهبر في تجمّعاتٍ للثورة بدت فاترة، بالرغم مما لكلٍّ منهم من حضورٍ ودور لا يمكن لأحد تجاهلهما أو التقليل من شأنهما؛ لكنّ الفارق يمكن ببساطة في أننا اعتدنا أن نرنّم مع خليفة أغنية "أحنّ إلى خبز أمي" مثلاً، ونكاد نبكي شوقاً وحزناً (وإحباطاً ضمناً)، فيما شباب اليوم يحبّون هذه الأغنية، لكنّ لسان حالهم يقول: لا أريد أن أحنّ إلى أمي من غربتي، بل أريد أن أعيش معها في وطني، ولا أريد أن أحنّ إلى خبزها، بل أريد لهذا الخبز أن يتوفّر لي ولها ولكل الناس، ولا أن أخجل من دمعها، بل أريدها دائمة الفرح، وأعشق عمري لأني سعيدٌ بحياتي وبحاضري ومتفائل بمستقبلي.. 

هؤلاء لا تعنيهم المقوّمات البنيوية التقليدية للأغنية، فهم يطلقون حناجرهم بما تغتني به من طاقة وكبت وتوق إلى الغد الذي لا يلمحون سراباً له.. وهم يمسكون بأيّ جملةٍ لحنية ويؤلّفون لها كلماتٍ من الشارع والواقع، ويحوّلونها شعاراً له عشرات أضعاف فعل أغنيةٍ من تلك التي نشأنا نردد كلماتها.. هم يحوّلون حتى أبواق السيارات إلى نفير ثورة، والطناجر إلى أوركسترا حياة تنتقل من بيتٍ جائع إلى آخر مُظلم، ومن حيٍّ مطمورٍ بالنفايات إلى آخر أغرقته سيول الأمطار والمجاري.. هم الأغنية، صدقهم النشيد، حيوتهم نبض الثورة وإيقاعها..
إنهم الشباب الذين كنّاهم يوماً، نحن الشباب لنا الغد الذي أضعناه، فلنتركه لهم ولنضعه أمانةً بين أيديهم، إذ يبدون أكثر منا حرصاً على تحقيقه، ولنثق بما يملكون من وعيٍ، ولنسلّمهم إحباطاتنا وأحلامنا المتراكمة، لعلّ أحدها يعود فيُزهر.