عن الخطط الخمسية التي تتوكأ على عصيّها

د. قصي الحسين |

بعد تناول القهوة، وقراءة التقارير والمقالات، وسماع الأشرطة والفيديوهات، بادرتُ إلى تحرير مادتي الصباحية، وهي من الإفتتاحيات.

عدت فاستلقيت في مرقدي، أدوّن خواطري في سجل الذكريات. وأجدل خيوط الفجر بعيوني:  أقبض خيط الظلام، وأبسط خيط النور، وأنتظر قليلاً قليلاً حتى تخلع المدينة غلالة الليل، وتجري وراء الفجر، شارعاً شارعاً، وزقاقاً زقاقاً، وتزقزق الشبابيك وتصأصئ المزاليج والأبواب والعتبات، والقباب والأخشاب.

 لم يعد الليل يرعبني بثوبه الأسود الطويل كسادنٍ قديم. فقد تمرحلتُ مع الأزمات، والانتفاضات، والثورات، والخطط الخمسية التي تتوكأ على عصيّها من حين لحين.
 فأنا ولدت في شهر النكبة من تموز، عام 1948. ودببتُ مع ثورة بشارة الخوري البيضاء العام 1952. وشهدت طوفان نهر أبو علي حتى الطابق الرابع، حين اجتاح المدينة، عام 1956.  وعايشت ثورة شمعون العام 1958.وشهدت انقلاب الكولونيل فؤاد عوض العام 1961. وشهدت انطلاقة رصاصة فتح العام 1965، وكذلك النكسة في حزيران العام 1967. وكذلك الاجتياح الإسرائيلي  لجنوب لبنان، وحرب الإستنزاف في سيناء والجولان في الأعوام: 1970 و1971 و1972، حتى كانت حرب تشرين في العام1973. ثم وقعت حرب السنتين الأهلية في العام 1975. ثم كان مقتل كمال جنبلاط في 16 آذار العام 1977، ومؤتمر الطائف، والدخول السوري إلى لبنان. ثم كان الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في العام1982، وكذلك حرب الدولار في العام 1984، وحرب الإلغاء والتحرير في العام 1988. وحرب خلع ميشال عون واحتلال القصر الجمهوري في بعبدا، ومعه الهجرة والتهجير إلى فرنسا في العام 1990. وفي العام 2001 كان سقوط البرجين في نيويورك. وفي العام 2003، كان الاحتلال الأميركي لبغداد 

 ثم بدأ استفحال عصر الوصاية السورية، والليل السوري الطويل حتى مقتل رفيق الحريري، وحتى ثورة الأرز والخروج السوري، العام  2005. وسجّل التاريخ: الدخول السوري إلى لبنان كان على دم كمال جنبلاط. وأما الخروج السوري من لبنان، فكان على دم  رفيق الحريري، كما يقول وليد جنبلاط.

 ثم كانت حرب تموز الإسرائيلية في العام 2006. وكان احتلال الوسط التجاري ورياض الصلح والشهداء في العام 2007، وحملات الاغتيالات الشهيرة التي طالت السياسيين والوزراء والنواب والإعلاميين، حتى مؤتمر الدوحة في العام 2009.

 وفي العامين 2010 و2011، بدأت ثورات الربيع العربي، والثورة السورية وتداعياتها على لبنان، ودخول المقاومة الإسلامية إلى سوريا. وبدء الحرب في جبال القلمون والزبداني، وعرسال، وطرابلس، والبداوي، ونهر البارد ومخيّم عين الحلوة، ودوار صيدا، وثورة الشيخ أحمد الأسير.  وفي 31 تشرين الثاني، عاد عون إلى القصر الجمهوري، وبدأ عصر الجبر والتعطيل، حتى كانت مظاهرة الاشتراكي في بيروت من الكولا إلى الشهداء في16 تشرين الثاني، لتبعتها ثورة 17 تشرين الثاني، الأعم والأهم، الحالية من العام 2019، ليدخل لبنان في ليل طويل. ويدخل العهد العوني في عصر الأفول، ولا يعرف أحد في الدنيا، إلامَ يطول.

 ولذلك وطّنت نفسي على عدم الخوف على لبنان بعد اليوم من المجهول.