لا تظلموا العقائديين... فليس كل الحزبيين تابعين

د. وليد أبو خير |

تشهد ساحات الانتفاضة الشعبية صرخات مطلبية تتعاطف معها الأكثرية الساحقة من المجتمع اللبناني لكونها تمسّ حياة وشعور هذا المجتمع. إنما يطالعنا بعض الانتفاضيون المتسرّعون بمقولة أن الحزبيين هم هؤلاء "التابعين"، و"الغنم"، وألفاظ ومسميات أخرى بحسبنا أنها بعيدةٌ كل البُعد، بما تحمله من تشويهٍ لمعنى الحزب كمؤسسة، ولمعنى العقيدة والمبادىء كمضمون، فتضرب بالعمق ركائز ومناحيَ عديدة من التراث الحزبي المسند إلى أفكارٍ وضعها مفكّرون عِظام بذلوا ثمرة حياتهم في سبيل ترجمة نتاج فكرهم، وثمار تجاربهم، ليقدموها إلى الشعوب في قالبٍ مؤسّسيٍ يهدف إلى إعلاء شؤون الحياة سواء الاقتصادية، أو الاجتماعية، وحتى السياسية.

وهذا ما يحدونا إلى التوقّف حول تساؤلاتٍ تُثار في الأوساط الحزبية، والتي تحمل تشكيكاً عند البعض منهم، وتتطلّب تفسيراتٍ توضع أمام الانتفاضيين لاستكمال وعيهم الثوري، وفيها:

أليس فكر الزعيم النهضوي، أنطون سعادة، أن ارتقى ليضحيَ مدرسةً فكرية في شتى المجالات الحياتية، والتي خاطب بها أجيالاً، وأجيالاً تحتذي من منابعه في استمرارية الحياة ودأبها؟

وهل أن الفكر الذي أرسى معالمه، وبوضوحٍ تام، المعلّم ورائد الإصلاح كمال جنبلاط، مع مجموعة من جهابذة الفكر لينتجوا حزباً، يصلح أن يكون قاعدة وأساساً لمخاطبة العمال والفلاحين والطبقات البائسة، فيضحي جامعةً لثورة فكرية في سبيل إصلاح المجتمع، وأن يرتقي ليكون ثورة في عالم الإنسان؟

وماذا يُقال عن فكر ماركس وأنجلز، وعن ممارسات لينين التطبيقية في ثورة عدّلت موازين الأنظمة على صعيد العالمية. وغيرهم الكثر مِن مَن أرسوا مفاهيم منتظمة لمعاني صيرورة المجتمعات؟

وهل الثورة التي قادها الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر، والتي أرست نظاماً اشتراكياً قائماً على فكرٍ، صلُحت في فترةٍ من فترات التاريخ في مجتمعها الواسع؟

نعم أيها السادة، فليس ثمة حزبٍ لا يحمل برنامجاً إصلاحياً سواء في الميدان الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو الثقافي، وحتى السياسي. فهذه البرامج لطالما خضعت، ولا تزال تخضع، لمناقشات دقيقة ودورية في جمعياتها العامة وعلى الملأ، وهو ما يحتّم عليها إدخال الحداثة إليها في كل مرحلةٍ من مراحل تطوّر الأحداث، وبالتالي التاريخ. فالأحزاب ليست محكومةً بالجماد، ولا تتّصف بالصنمية، وإنما، وعلى أساس برامجها، تتوجه بها وبصورة منتظمة إلى المجتمع، فتُبرؤ هذه الأحزاب أو تُعقم من خلال قناعة القواعد الجماهيرية بها، وعلى قدر تكوّرها حولها.

فالأحزاب، سواء أكانت يمينية أم يسارية، قد أنتجت شريحة كبيرة من رجال الفكر والمفكرين الذين كوّنوا قاعدةً ثقافية واسعة وشاملة، فحملت فكراً نيّراً في علوم السياسة والاجتماع والاقتصاد، وذلك من خلال حركتها الممنهجة من أمثال ميشال عفلق، وكريم مروة، وميشال كيلو، وشوقي خيرالله، وخليل أحمد خليل، والعلامة الشيخ الأحمر، وغيرهم الكُثر، والتي لا تتّسع الصفحات لذكرهم.

وما التأكيد على واقعية وصدقية هذا القول من خلال ما تشهده ساحات الانتفاضة الشعبية من جلساتٍ حوارية تثقيفية وتوعوية، إلّا خير دليلٍ على ذلك. فبنظرةٍ خاطفة إلى المنظّرين والمحاضرين، ومديري الحوارات في تلك الحلقات، نستطيع أن نقف على حقيقة أن الغالبية العظمى منهم ذوو خلفيات حزبية، وعلى درجاتٍ عالية من الثقافة النوعية الملتزمة، والتي تستقطب شرائح المجتمع من كافة الأطياف.

إن المشهد الذي تراءى حاضراً منذ انفجار الانتفاضة التشرينية على الساحة اللبنانية، والمطالبات الشعبية التي طرحتها من إلغاء للطائفية إلى محاربة الفساد، مروراً باستعادة الموارد التي أنتجها الإفساد، وغيرها من المطالب الأخرى، ليس سوى عصب الفكر لدى العديد من ثقافة الأحزاب. لا بل وأكثر من ذلك، أوَليست أنها، وفي العديد من الأحزاب، تجسّد أهدافها، وترتسم بها مبادؤها الأساسية، فتبرز كعناوين عريضة على رؤوس برامجها.

كلّا يا سادة، لا تنكروا الوقائع، ولا تظلموا العقائديين. لا تنتهكوا فكر الثوريين الملتزمين بقضايا المجتمع ومعاناته، ولا تحجبوا الحقائق، بل احترموا من ناضل وجاهد، فقضى البعض منهم في سبيل تحقيق مبادىء الحزب الذي آمن به فاعتنقه. فالأحزاب هي حركة ثورية تحررية تعتق الفرد إلى التحرر من أوهامه البالية للقيام بالشيء الجديد، وبالتالي هي وسيلة للإنسان، وليس الإنسان وسيلة للأحزاب. وعليه، فالأحزاب أنتجت حركات عمالية محلية، وعلى مدى العالم، أسهمت في تحقيق مطالب عديدة، كما أنتجت تحركات طلابية أسفرت عن سقوط شهداء في صفوفها في سعيها لرفع علائم القهر والظلامة عنهم.

ولا مشاحة من الجزم والتأكيد بأن الفساد لا يجد طريقاً له في نصوص مواثيق الأحزاب، وبالتالي فهو يتلبّس الشخص، سواء أكان حزبياً أو غير حزبي. لذا، حاسِبوا وانتفضوا على هذا الشخص، وليس على الحزب.

أما فيما يتعلق بمقولة "الزعيم" واللحاق به، والارتهان له، فلا مندوحة من الإشارة إلى أن الهيكلية التنظيمية لأي حزب، وكما في أي مؤسّسة أعمال أو جمعية، تتطلب وجود رئيس تحت أي مسمى: زعيم، رئيس، أمين عام...ألخ. كما تتطلب وجود مجلس إدارة، أو مجلس قيادة... وبالتالي فإن هذا  ما يُخضع الحزبي والملتزم لتراتبية تنظيميةٍ يستقيم معها العمل الحزبي. من هنا، فالحزبي، ومن موقع الإلتزام حكماً، يتبع قيادته، ورئيسه، وأمينه العام، وهو ما يُضحي هذا الرئيس، أو ذاك الأمين، أو تلك القيادة، رمزاً له يحترمهم، ويطيع أوامرهم الحزبية من منطلق الأدبيات التي تقضي "التنفيذ ثم الاعتراض"، والتي تعدّ مساحةً وهامشاً لحرية الرأي داخل حزبه. فالتعرّض لهذه الرموز الحزبية هو بطبيعة الحال تعرّضٌ للخط النضالي عند كل حزبي آمن بحزبه ليضحي وكأنه ارتدادٌ، وتعرّض شخصي يستهدف شخص الحزبي بذاته. وعليه، فلا يجاز انتهاك هذه الخصوصيات تحت شعارٍ مستفز كالاستزلام والغنمية وغيرها، وكأن الحزبي قد صودر رأيه واضمحلّت قدرته على التعبير عمّا قد يراه، أو يشعر حين وجود أخطاء. 

وفي السياق المتصل، لا بدّ من التساؤل: هل الأحزاب بحد ذاتها هي خروج عمّا يُطلق عليه "المجتمع المدني"؟

أليست الأحزاب هي من ضمن منظومة التعريفات بالمجتمع المدني؟

بحسبنا، إن الأحزاب هي النواة الأساسية لهذا المجتمع، ولكل مجتمعٍ يبتغي الإصلاح. وبالتالي فالمشكلة ليست بالحزب ولا بالزعيم، إنما تكمن بجدلية اللامنطق الذي وصلت إليه الحال في لبنان من سياسات خرجت عن نطاق تعريف الحزب كمنظومة تنظيمية، وعن مفهوم عقيدته، وذلك حينما تحوّلت بعض هذه الأحزاب، قسراً، إبّان الحرب اللبنانية إلى لاعبٍ أساسٍ فيها حينذاك، ما أفقدها ثقة المجتمع بعد انتهاء الحرب. وما ساعد على ذلك، هو هذا النظام السياسي اللبناني البائد الذي كرّس مفهوم ما سمّي بالديمقراطية التوافقية، والتي لا تجد لها تعريفاتٍ علمية ومنطقية في كتب ونظريات الأيديولوجيات العالمية، سوى في عقول الساسة اللبنانيين حينما أطلقوا هذه الأكذوبة فصدّقوها.

فيا أيها المنتفضون، شيئاً من تواضعكم تعيد الرشادة إلى التفكير الهادىء كرمى تراث الأحزاب واحترام فكر مؤسّسيها ومناضليها. ولا بدّ من التذكّر من أن الأحزاب هي من أساسيات المعارضة بمردوداتها الإيجابية في غالبية الأنظمة السياسية حول العالم.