تحليل إسرائيلي... أزمة مزدوجة في أحزاب إسرائيل: الفراغ الفكري والسيطرة الشخصية

الأنباء |

 


الاضطرابات الأخيرة المتلاحقة التي شهدتها المنظومتان السياسية والحزبية لها علاقة قطعاً بأشخاص - نفتالي بينت، أيلييت شاكيد، آفي غباي، وبني غانتس - وطبعاً بنيامين نتنياهو. الضجة الإعلامية تركز بطبيعتها على النواحي الشخصية، ونتيجة ذلك لم يهتم أحد تقريباً بالخبر عن قرار حزب البيت اليهودي تغيير أسلوب اختيار مرشحيه للكنيست ("هآرتس" 4/1).

قد تبدو هذه المسألة إجرائية، لكنها شديدة الأهمية. ففي حزب البيت اليهودي نجحوا في استخلاص الدروس من العمل السيّء الذي فعله بينت وشاكيد في الحزب وقرروا إلغاء الانتخابات التمهيدية (primaries) والانتقال إلى أسلوب مركب، يختار فيه مركز الحزب المرشحين جنباً إلى جنب مع مؤتمر عام. التفاصيل ليست مهمة بحد ذاتها وربما يطرأ عليها تغييرات: لكن من الواضح أنهم فهموا في البيت اليهودي أن أسلوب الانتخابات الأولية الذي يمكن تسميته "ديمقراطية مزيفة"، تزعزع أساس وجود الحزب وبنيته التحتيه الاجتماعية التي يجب أن تستند إلى عضوية ونشاط في الحزب. وكما تحتاج الديمقراطية نفسها إلى كوابح وتوازنات، أيضاً المنظومة الداخلية – الحزبية بحاجة إليها.

الانتقال من أسلوب اللجنة المنظمة إلى أسلوب الانتخابات التمهيدية في معظم الأحزاب التاريخية في البلد، ناجم عن الرغبة الصادقة في نقل الحسم من لجان مغلقة مكوّنة من سياسيين يجتمعون في الغرف المليئة بدخان السجائر إلى المجال العام، وبذلك تصبح عملية اختيار المرشحين للكنيست أكثر ديمقراطية. هذه كانت النية، والنتيجة كانت مختلفة تماماً. 

ما حدث هو زعزعة بنية الأحزاب، وبدلاً من أحزاب تستند إلى عضوية مستمرة  وناشطة، ونشاطات في الفروع، وعقد مؤتمرات ونقاشات سياسية وإيديولوجية، نشأت مؤسسة "التسجيل"، التي سمحت لكل من يريد بالانضمام رسمياً إلى الحزب قبل فترة قصيرة من الانتخابات والمشاركة في قرار تحديد المرشحين.

ليس من قبيل الصدفة أن حزب العمل الذي كان من أوائل الأحزاب التي تبنت أسلوب الانتخابات التمهيدية لم يعقد منذ سنوات مؤتمراً يناقش قضايا سياسية واقتصادية: كل الاهتمام منصبّ على الانتخابات التمهيدية. التركيز على المنافسة في الانتخابات التمهيدية أفرغت المؤتمر من أي مضمون فكري، وحولت الحزب بصورة حصرية إلى أداة لانتخاب المرشحين للكنيست. ومنذ اللحظة التي ينتخبون فيها يضطر أعضاء الكنيست إلى التركيز فقط على وضعهم، وعلى بلورة بروفايل عام عالي المستوى، لضمان انضمامهم الى الانتخابات التمهيدية المقبلة. كل واحد منهم هو لاعب منفرد: الانسجام الحزبي والانضباط غير موجودين تقريباً، وكل واحد يتنافس مع الجميع في حزبه. 

رافق ذلك ظاهرة إضافية، كان حزب البيت وحزب العمل من أبرز ضحاياها. سمح أسلوب الانتخابات الأولية لأشخاص لم يكونوا قط أعضاء أو ناشطين في الحزب بتسجيل أنفسهم قبيل الانتخابات. وبمساعدة حملات علاقات عامة شرسة، جرى انتخابهم ليس فقط في قائمة المرشحين بل أيضاً في قيادة الحزب نفسه.

هكذا نجح بينت وشاكيد اللذان لم يكونا قط من الناشطين في المعسكر الديني - القومي للمفدال، في أن يُنتخبا لرئاسة الحزب بمساعدة شعارات مثل "تغيير" و"الجيل الشاب" التي دائماً تأسر القلوب. وكجزء من هذه الاستراتيجيا التي في أساسها لا توجد مصالح الحزب كهيئة سياسية بل تطلعاتهم الشخصية، غادرا الحزب في مناورة تنتمي إلى عالم الصفقات: يسيطرون على شركة اقتصادية، يأخذون منها الموارد وغيرها، وعندما تتوقف عن خدمة المسيطر، يرمونها إلى الجحيم ويمضون قدماً. 

أمر مشابه جرى في حزب العمل. عندما قرر غباي الذي لم تكن له جذور سياسية أو فكرية في الحزب، تسجيل نفسه فجأة في حزب العمل، ونجح في أن يُنتخب - بعد حملة علاقات عامة متعددة الوسائل - رئيساً للحزب. سلوكه في رئاسة الحزب كان يشبه طوال الوقت سلوك مدير وصاحب شركة تجارية. الاستبعاد القبيح لتسيبي ليفني هو نموذج متطرف لسلوك استقوائي، جاء من عالم الصفقات. إن الزعامة السياسية أيضاً، ولو كانت لا تخلو من الطموحات السياسية، تتطلب سلوكاً مختلفاً. 

من هذه الناحية بينت وغباي يشبهان بعضهما بعضاً، ومع كل الفوارق يشبهان أيضاً ترامب: السيطرة من الخارج على حزب موجود والتصرف كرجل أعمال (في حالة بينت يتضمن هذا أيضاً "شراء" حزب غير ناشط). تطبيق نموذج إدارة الأعمال على حزب مبني على عضوية ونشاط سياسي هو الخطر الأكبر على البنية الديمقراطية التي تتطلب حواراً، ومفاوضات، وخلق ائتلافات وشراكة داخلية – حزبية من المصالح والأفكار. كل ذلك غريب عن عالم الصفقات الاستقوائي الذي لا قيَم لديه غير حجم النجاح الاقتصادي الذي منه أتى بينت، وغباي - وترامب. هذا هو سبب الجري وراء استطلاعات يومية تقريباً تحل محل نقاش المواقف والقرارات في موضوعات سياسية واقتصادية.

أعضاء حزب البيت اليهودي تعلموا الدرس ويحاولون الآن ترميم حزبهم. وحتى بالنسبة إلى الذين لا يشاركونهم مواقفهم يجب أن يوافقوا على  أنه من المهم للنسيج السياسي الإسرائيلي أن يكون هناك مكان لحزب صهيوني ديني لا يديره أشباه ترامب أو ديماغوجيون شعبيون، ويستطيع أن يتنافس مع القطاع الحريدي المعادي للدولة ومع التطرف الحريدي.

من الضروري للديمقراطية الإسرائيلية طبعاً استمرار وجود حزب مثل حزب العمل الذي يعتبر نفسه كحزب اشتراكي - ديمقراطي وليس فقط أداة انتخابية بيد هذه الشخصية أو تلك.

الأزمة التي تمر بها الأحزاب السياسية في إسرائيل مزدوجة وتهدد الديمقراطية أكثر من أي قانون يشرع في الكنيست: من جهة هناك تفريغ المضمون الديمقراطي والإيديولوجي للأحزاب بسبب أسلوب انتخابات تمهيدية فارغة وخالية من المضمون، ومن جهة ثانية صعود أحزاب ذات زعامة شخصية تسلطية من نوع حزب يوجد مستقبل، وإسرائيل بيتنا، وحالياً حزب اليمين الجديد. في الضجة الإعلامية الحالية من الصعب أن يأمل المرء بحدوث التغيير المطلوب، لكن من يريد فعلاً تعزيز الديمقراطية والتخلص من الدوامة الحالية، يجب عليه أن يتعلم من نموذج البيت اليهودي وصوغ بنية الحزب من جديد. يجب عدم العودة إلى أسلوب اللجنة المنظمة، بل بلورة بنية مركبة تعددية ومتعددة الطبقات تضم كوابح وتوازنات داخلية. كما يمكن أن نتعلم من تجربة أحزاب في دول ذات نظام تعددي في أوروبا وليس فقط من النموذج الأميركي للانتخابات التمهيدية (التي أعطت الولايات المتحدة والعالم ترامب). مثل هذا الإصلاح سيسمح لأعضاء الأحزاب والمنظمات والفروع التابعة لها بالمشاركة في بلورة طريقها وسياستها، ويمنع سيطرة عدائية لشخصيات من الخارج تعتبر الأحزاب محطة فقط للوصول إلى الزعامة.

(شلومو أفينيري - محلل سياسي/ "هآرتس")

(المصدر: مختارات مم الصحافة العبرية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية)