دور الإرادة الشعبية

هناك اتفاق على تعريف القيادة السياسية؛ بأنها فن إدارة شؤون الناس، ورعاية مصالحهم، وتصويب طريقهم نحو أهداف مشتركة تُحقق الخير للجماعة، وفقاً لمقاربة حالة من الرضا النسبي لهذه الجماعة على القائد، كما تفرض على القائد المراعاة الدائمة لمصالح الشعب وتطلعاته مهما كانت الظروف، فلا يوجد في التاريخ تجارب تعتمد مبايعة مطلقة، بل إن المبايعة مشروطة بالرضا على الدوام. والإمام علي بن أبي طالب قال: «لا بد للناس من أمير (أي قائد)، والأمير خادم للشعب».

ويحفل التاريخ بتجارب ومقارناتٍ لا تحصى، فيها إخفاقاتٍ في ممارسة القيادة، كما فيها نجاحات دامغة، وفيها ثورات شعبية رائدة، وبعضها لم يُكتب لها النجاح، أو أنها انحرفت إبان مسيرتها عن أهدافها، فوقعت في المحظور. وبعض الحراك الشعبي النابع من إرادة صادقة؛ غالباً ما واجه قساوةً مفرطة، أو أنه لم ينجح في تحقيق أهدافه المُعلنة على أقل تقدير، لكن ذلك لا يمنع من تأكيد صوابية الحسّ الشعبي العام إذا ما كان ينطلق من مشروعيات دامغة، في المقدمة منها رفض الظلم والاستبداد، أو تحسين مستوى المعيشة، أو مقاومة طغيانٍ داخلي أو خارجي ناتج عن عدوان، أو رفض المساس بالثوابت الوطنية أو القومية أو الثقافية.

في الوضع الراهن نرى تجارب حية لأهمية دور الإرادة الشعبية، ودوافع تحريكها في حالتي العراق ولبنان، حيث خرج الحراك عن حدود سيطرة «الإستبلشمن» المحيط بالنظام، لأن هذا الأخير لا يتحكَّم بتفاصيل اللعبة السياسية، على اعتبار أنه جاء نتيجة تسويات فوقية ومحاصصة طائفية.

يمكن القول بموضوعية: إن تمرُّد الإرادة الشعبية على الطبقة السياسية الحاكمة في كل من لبنان والعراق؛ هي بمنزلة الاعتراض على المنهجية التي تعتمدها هذه الطبقة في معالجتها لشؤون الناس، وهذه المنهجية فشلت في محاكاة تطلعات المواطنين، فهي أعطت المقاربات العقائدية والطائفية أولوية على الشؤون العامة الأخرى، وكان لهؤلاء اعتقاد واهٍ فيه: أن الناس يمكن لها أن تغفر للحاكم إذا ما قصَّر بواجباته الخدماتية الداخلية في حال كان يضطلع بدور خارجي أو طائفي أو قومي.

نستنتج من الشعارات التي رفعها المواطنون الذين نزلوا إلى الشوارع في العراق وفي لبنان: أن الميثالوجيا الطائفية المتلازمة مع مقاربات عقائدية؛ كانت واهية وليست مُقنعة لهم، وأنها استُخدمت ك «أفيون» تخديري لحرفِ اهتماماتهم المعيشية، ولتسويق مشاريع دولية وإقليمية على حساب الثوابت القومية التي يؤمنون بها، كما أن المزايدات الطائفية التي حصلت في لبنان تحت شعار «الدفاع عن حقوق المسيحيين» دانها المسيحيون أنفسهم عندما تظاهروا بكثافة ضد رافعي هذه الشعارات، ولا سيما ضد المحيطين بدوائر الحكم.

على عكس ما يعتقد بعض الذين يحملون الأفكار الكُلية؛ لا يمكن تدجين الإرادة الشعبية إلى أمدٍ بعيد تحت شعاراتٍ واهية. والناس في الأغلب تُعطي فرصة للنظام لتنفيذ وعوده. لكن التجارب التاريخية أثبتت أن للشعوب إرادة جماعية لا يمكن إغفالها، أو التحايُل عليها إلى أمدٍ بعيد. فعلى مستوى الانتماء القومي؛ وعلى سبيل المثال، فقد فشلت المقاربة الستالينية في تدمير الفكرة القومية والدينية عند شعوب كانت تنتمي إلى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق عن طريق تبادل نقل السكان، وعاد هؤلاء إلى التمسُّك بقومياتهم الأساسية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1990، كما أن شعار الدفاع عن مصالح العمال والفلاحين؛ لم يكُن عذراً كافياً للجمهوريات الاشتراكية عندما أخفقت هذه الجمهوريات في تأمين حياة كريمة وحرَّة للمواطنين، فانتفضوا وأطاحوا بهذه الأنظمة.

الإرادة الشعبية عامل قوة متجددة لا تنضب، وعندما يدرِك الناس أن الدولة تُدار لحساب نُخبة أو لتحقيق أهداف غامضة وليس لحساب الأمة بمجملها، يصبح الأفراد في حلٍّ من الالتزام بمراعاة هذه الدولة وحكامها، ويعملون لتحقيق مصالحهم بكل الوسائل المتاحة.

يمكن القول: إن فشل المقاربات الحُكمية القائمة في لبنان والعراق؛ تقف وراء استنهاض الإرادة الشعبية العارمة. وقوة الإرادة الشعبية كانت مؤثرة على الدوام.