عن أزمة التأليف قبل التكليف!

د. هشام عجيب |

إن الصمت يتيح لك متعة التنزّه في عقول الآخرين. فمما لا شك فيه هو التكتّم الشديد الذي يمارسه الرئيس الحريري في اتصالاته مع الأفرقاء في موضوع التكليف والتأليف، وتلك الأزمة المستجدة في العلاقة المتأرجحة أصلاً بين الرئاستين الأولى والثالثة. هذه الأزمة المستجدّة والتي ظهرت إلى العلن بشكلٍ كبير، تكاد تكون المشكلة الأصعب في  تشكيل الحكومة. بكل الأحوال فإن هذا التكتّم يدل على شيءٍ كبير يحضّر في موضوع تشكيل الحكومة. فالمعلومات القليلة المتوفرة تقول إن رئيس الحكومة، وعلى عكس ما يُشاع، يريد التأليف مع التكليف من خلال سعيه إلى نقلةٍ نوعية في تشكيل الحكومة، وخاصة بعد الثورة في الشارع والتي فرضت نفسها على تأليف الحكومة. فالحريري يسعى إلى حكومة من قسمين. الأول فريقٌ متفاهمٌ ومتجانسٌ معه، ومن الممكن أن يكون من التكنوقراط، أو سياسيّين، متعاونين.

كما يُمكن تمثيل الحراك من ضمنهم، فشرطه لهذا الفريق أن يتمتع  بإرادة العمل والتعاون. أما القسم الآخر من الحكومة فسيكون مطعماً بسياسيّين ممثلين للأطراف السياسية. فرئيس الحكومة سيقوم بعرض هذا المبدأ على رئيس الجمهورية لأخذ موافقته، وعلى ضوء ذلك يقبل التكليف، ومن ثم التأليف. وهذا الخيار هو الأخير لرئيس الحكومة في إعادة الدور الذي كان يلعبه والده، والذي كان فَقَده الحريري الابن في الحكومات السابقة. وسبق أن حذّره وليد جنبلاط مراراً  بأن سياسته هذه ستُفقده دوره وموقعه. فالحريري وصل إلى مكانٍ لا عودة فيه إلى الوراء، وأن أي تكاسلٍ، أو تخاذلٍ، سيكون ثمنه باهظاً عليه في السياسة. مع العلم أن الوضع القائم الذي وصل إليه الحريري نتيجة لهذا الحراك يمثّل نقلةً نوعية لم يكن ليستطيع تحقيقها في السياسة، إن من ناحية تحسين شروط التفاوض مع الأفرقاء الآخرين، أو من ناحية فرض إرادة التغيير في القرارات والسلوكيات التي سيعتمدها الرجل في أي حكومة يترأسها. فصحيحٌ أن الشارع يطالب بإسقاط النظام ورحيل الجميع، ولكن الهدف الممكن تحقيقه من هذا الحراك هو إسقاط كل السلوكيات القديمة التي كان يعتمدها الأفرقاء السياسيّين، إن من ناحية تعطيلهم الإجراءات التي لا تناسبهم، أو من ناحية الخطوط الحمراء التي كانت تُرسم وتوضع بوجه أي حكومةٍ كائناً من كان رئيسها.

والواقع الذي أظهرته الأيام الماضية يشير إلى أن الحريري أمام فرصة ذهبيةٍ لن تتكرر، هذا إذا ما قرأ الواقع جيداً، وفاوض خصومَه وحلفاءه بشكلٍ يضع الأحداث الأخيرة على الطاولة. فبالنسبة للحراك لم تنقطع الاتصالات بينه وبين هذا الحراك طيلة هذه الفترة، لا بل هناك آراء متقاربة بينه وبينهم، وهو لن يشكّل حكومة إلّا إذا كان من يمثّلهم فيها. أما عن العلاقة مع حزب الله، فلم يعد هناك من خطوطٍ حمراء سوى  سلاح المقاومة، والذي لم يعارضه أحد من الأفرقاء، وكل ما هو غير ذلك قابلٌ للتفاوض. وبالنسبة للعلاقة مع رئيس الجمهورية والعهد، فلم يعد هناك وزراء برتبة رئيس حكومة ظل، وحتى لو عاد باسيل إلى الحكومة فلن يكون كما كان، ولا يستطيع فرض شروطه، أو شروط غيره، على طاولة مجلس الوزراء. أما بالنسبة إلى العلاقة مع  الرئيس برّي، فقد قال هو بنفسه، "لو لم يكن هناك طائفية سياسية لأخرَجَنا  الثوار من بيوتنا". ومنذ بدء التحركات والرئيس برّي يسهّل لرئيس الحكومة كل ما يهدف إلى إنهاء هذه الأزمة.

أما بالنسبة إلى حلفائه، فالمعلومات المتوفرة أيضاً توحي بأن العلاقة ستكون واضحة المعالم، وليس هناك من حليفٍ يخرج ويدخل، ويرفض، ويوافق بالقطعة. إنما ستكون هناك خريطة طريق واضحة المعالم لا يمكن أن يعتذر فيها الحلفاء في نصف الطريق. فالعلاقة مع الدكتور جعجع ستكون واضحة،وليس كما كانت في الماضي. فالاتصالات تكثّفت بين الفريقين من أجل الاتفاق أو الفراق، حيث لن يكون هناك ما هو رمادي. والأيام القليلة القادمة ستحدّد مساراً لهذه العلاقة.

أما العلاقة مع وليد جنبلاط، فسوف تكون على شاكلة تلك التي كانت تحكم العلاقة بينه وبين والده الشهيد رفيق الحريري. وقد أصبح الرئيس الحريري مقتنعاً بخبرة جنبلاط ورؤيته الثاقبة في الأحداث. فالممارسة في الحكومة السابقة شاهدٌ على ذلك. فمنذ اليوم الأول لهذه الحكومة حذّر جنبلاط رئيس الحكومة من الوزير جبران باسيل، وكاد أن يختلف معه أكثر من مرّة حول الصلاحيات الممنوحة لباسيل داخل الحكومة، وأن هذه الحكومة ستتفجر يوماً ما في وجهه بسبب تصرفات وزير الخارجية غير المسؤولة. كما وأن العلاقة مع باسيل ستفجّر الشارع السنّي في وجهك، وتضعف موقع رئيس الحكومة، وما إلى ذلك من تعليقاتٍ أكثَرَ منها جنبلاط من خلال تعليقاته على تويتر، أو من خلال تصريحاته.

فمن هنا ستبدأ الحكاية... هي خريطة طريق أصبحت واضحة المعالم سيرسمها الحريري مع الجميع، وليس للجميع. وهي خشبة الخلاص التي يمكن أن تنقذ ما تبقى من بلدٍ أنهكَه الفساد والفشل والسلطة الضائعة بين هذا وذاك من الأطراف. والأخطر من كل ذلك هو أن هذه السلطة وسلوكياتها أحدثت أزمةً لأصحابها قبل أن تؤذي الوطن. ومن يتابع سيرى أن الحريري سيرسم خريطة طريق مع الحراك، والأخصام، والحلفاء من أجل مستقبل استمرارية الحكومة الجديدة، وتحقيق أهدافها في الإصلاح. ذلك سيتم من خلال عدة إجراءات تنقل البلد إلى الاستقرار السياسي والمالي عن طريق مصارحة الناس، وعدم التعاطي معهم بالوعود.

ربما ما ستحمله الأيام القادمة ستكشف ما كان يدور في الكواليس. فهل ما يجري هو إرادةٌ للتغيّر؟ أم إضافة أزمةٍ جديدة، اسمها التأليف قبل التكليف.