عبثيون!

04 تشرين الثاني 2019 08:05:00 - آخر تحديث: 04 تشرين الثاني 2019 13:11:59

في قراءة الأحداث والسلوكيات السياسية، يصبح الابتعاد عن التعميم ضرورياً لتحديد المسؤوليات، ورسم الحدود، تلافياً لإيقاع "الظلم" على مجموعة من الأشخاص، أو تيار، أو حزب، أو منظمة ما.

لكن، في تقييم أداء وسلوك التيار الوطني الحر، لا مفر من التعميم.

فالتيار برمّته، ومنذ تأسيسه حتى يومنا هذا، هو تيارٌ عبثي! سياساته عبثية، ومواقفه عبثية، وأعماله عبثية، وعلاوة على ذلك، كل المتحدثين باسمه تقريباً ينتمون إلى فئة العبثيين،  لا بل يتصدرونها! 

وزيرٌ يغني ويرقص على الطاولات، ونائبٌ يوزّع انتشار النيران طائفياً بين المناطق، وملحنٌ  يترك العزف والنوتات الموسيقية ليقبّل الأيدي ويعتدي على الإعلاميات. وزيرٌ آخر ينهر المواطنين رافضاً "سماع صوتهم"، ويتوّج كل هذه "الأوركسترا" رئيسٌ يجيد الرقص على القبور، والتفتيش عن العظام! فإذا كان هذا الرئيس هو الذي يقود المسيرة، فكيف سيكون من يتبعه؟!

ولكن فلنفصّل سوياً "عبثية" التيار. في بعض محطات هذا الحزب الذي منذ نشأته كان لديه هدف واحد، وهو إيصال مؤسّسه إلى رئاسة الجمهورية اللبنانية. ولقد استنفذ التيار كل الوسائل، المشروعة منها وغير المشروعة، لتحقيق هذا الهدف. خاض الحروب والمعارك تارةً تحت شعار "التحرير"، وطوراً تحت شعار "الإلغاء"، بعد انعدام فرص انتخاب رئيسه إلى المنصب الأول في الجمهورية!

رفض هذا التيار اتفاق الطائف لسنواتٍ، و"تمرّد" على الشرعية، وامتنع عن الاعتراف برئيس الجمهورية المنتخب (لأنه ببساطة لم يكن رئيسه!)، وخاض الحروب العسكرية ضدّه. وبعد مرور ثلاثة عقود انتُخب لرئاسة الجمهورية على أساس هذا الاتفاق دون تعديلٍ أو تبرير! فالهدف، إذن، لم يكن الاعتراض على "الطائف". ولو أن الاتفاق أفضى لإيصاله إلى قصر بعبدا، لكان مقبولاً حينئذٍ!

واجه التيار الوصاية السورية، وقصد رئيسه الكونغرس الأميركي لطلب دعم إصدار قانون محاسبة سوريا، ثم تصالح معها، وزار رئيسه دمشق متعهداً إعادة المفقودين منذ سنوات. ولا أثر لأيٍ منهم حتى اللحظة!

وصف التيار سلاح حزب الله بأنه "إرهابي" في وثيقته البرتقالية، والتي عاد وسحبها من سوق التداول السياسي لدى توقيعه وثيقة التفاهم في مار مخايل سنة 2006 مع حزب الله!

الأمر ذاته تكرّر مع "تيار المستقبل" الذي كان يعترض على توليه الرئاسة الأولى، فأعدّ تقريراً "قضائياً" تحت عنوان "الإبراء المستحيل". وإذ بالمستحيل يصبح ممكناً، وتُسحب الوثيقة مجدداً من سوق التداول مع قرار الرئيس سعد الحريري تبنّي ترشيحه لرئاسة الجمهورية. 
أما على جبهة "القوات اللبنانية" التي شهدت معارك عسكرية طاحنة سنة 1990 تحت عنوان "حرب الإلغاء"، فتقدّم التيار ليوقّع مع رئيسها "تفاهم معراب" لتعبيد الطريق أمام قصر بعبدا. وبعد الانتخاب تنصّل من الاتفاق، وتراجع عن تعهداته الأساسية فيه.

قد يكون من المشروع لتيارٍ سياسي أن يسعى لإيصال رئيسه إلى الحكم، وهذا حقٌ ديمقراطي، ولكنه ليس مقبولاً استخدام كل الوسائل لتحقيق هذا الهدف، حتى غير الدستورية، وغير المشروعة منها!

أتذكرون 43 جلسة برلمانية لانتخاب الرئيس، والتي تم تعطيلها، وعدم توفير النصاب القانوني لها لمدة عامين ونصف العام حتى اكتمال عناصر "التسوية" التي أدّت إلى انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية؟

أتذكرون الأشهر الطويلة التي أمضاها لبنان دون حكومات إصراراً من التيار إياه على توزير من رسبَ في الانتخابات النيابية، عنوةً عن المنطق والعقل، والحد الأدنى من الأصول الديمقراطية؟ 

أتذكرون عنوان "الميثاقية"، الذي تم توتير البلاد في سبيله لأشهرٍ طويلة، وهو لا يعدو كونه عنواناً سيّئاً لمضمون أكثر سوءاً يتصل بالمصلحة الفئوية لهذا الطرف دون سواه؟ 

أتذكرون الأشهر الطويلة التي مُنع فيها انعقاد مجلس الوزراء بسبب تعيينات عسكريةٍ أو إدارية، أو لعناوين خاصة لا علاقة لها بالشأن الوطني العام؟

أتذكرون قانون الانتخاب الذي فُصّل على قياس أحدهم لضمان عبوره إلى البرلمان بعد ثلاث محاولات فاشلة؟ 

أتذكرون خطط الكهرباء، والفيلم الكرتوني الذي صوّره الوزير واعداً اللبنانيين بتغذيةٍ على مدار الساعة أقلّه منذ 10 سنوات، وإذ بقطاع الكهرباء الذي يستنزف نحو ملياري دولار سنوياً من أموال اللبنانيين يتحوّل إلى قطاع صفقات وسمسرات من البواخر، إلى قطاعات التلزيم الأخرى؟ 

لقد منح اللبنانيون رئيس الجمهورية العماد ميشال عون "فترة سماح" لثلاث سنوات، فإذ بالمؤسّسات والشركات تُقفل، وعلاقات لبنان الخارجية تتدهور، والاستثمارات والتوظيفات تنكفىء، وأصحاب الرأي الحر، ورؤساء تحرير الصحف يلاحَقون، والقضاء يُدجّن لإلباس التهم السياسية لبوساً قضائية، والملفات توضع في "الجارور" حتى تحين لحظة تحريكها "سياسياً"، وتطول اللائحة! 

"بحبكم كلكن، يعني كلكن". شكراً فخامة الرئيس، لكن ليس المطلوب أن تحب الجميع، بل أن تبقى على مسافة واحدة من الجميع!
أما مقولة "الرئيس القوي"، فهي بحاجةٍ لتمحيصٍ وتحليل مستقلٍ ومتكامل، وإعادة تعريف للمفاهيم وفق قواعد جديدة. 

ختاماً، إلى كل أعضاء التيار الوطني الحر. حقكم الديمقراطي أن تكونوا حيث أنتم، لكن رجاءً كفانا عبثية، وإلّا لتصحّ التسمية عليكم أنكم تنتمون إلى "التيار العبثي الحر"!