الخيار الصائب

غانم حسن |

إنها مسؤولية السلطة الأصيلة، والتي استولدت هذه السلطة الوكيلة، المطالبة برحيلها بسبب فشلها وضعفها، كونها لم تكن مؤهلة أصلاً، قوةً وحجماً لإنقاذ الجمهورية المتهاوية.

لقد كانت هذه السلطة مشبعة منذ ولادتها، بجينات فشلها، وفي بنيتها الروحية والجسدية، وذلك لإبقاء لبنان دولةً ذات احتياجات خاصة تعيش في حالة الإعاقة الدائمة التي تستوجب وضعها في غرفة العناية المركّزة بشكلٍ دائم.

تعوّدنا أن نكتفي بتحميل المسؤولية لهذه السلطة المولودة قيصرياً، ونغضّ الطرف عن السلطة الأم التي أتت بها، والتي اعتادت بدورها أن تتوارى خلف إصبعها.

سئمنا البقاء في حالة الصراع الدائم مع المرض. وسئمنا انتظار الشفاء عن طريق الوصفات، والتعويذات، ورفع الصلوات على نية سلامة لبنان وشعبه، في حين لم يعد مفعول المسكنات، وبسبب إدمان تعاطيها، يخفّف من الآلام والمعاناة.

حان الوقت لننزع معاً، وبكل جرأة، وسائل الإنعاش والتنفس الإصطناعي عن هذا العهد الذي دخل في حالة الغيبوبة الدائمة، والموت الدماغي. لقد أصبح حاجةً ملحة إيجاد سلطة جديدة قادرة، قوية البنية، يسير في عروقها دم وفاقيٌ لبناني يكسبها المناعة الكافية المضادة لكل أنواع الأمراض والأعراض.

لا يستطيع مَن ينضوون تحت راية حزب واحد يتمتع بحيازة فائض من القدرات غير المتاحة لغيره، وبعضها غير متاحٍ للدولة، أن يستمروا بإحكام قبضتهم الحديدية على قرار الدولة، وخيارات كل أطياف المجتمع اللبناني المتنوع.

كفى الإمعان في إجبار لبنان على الرضوخ، وتغطية مشاريعهم الداخلية والإقليمية دون  تفويضٍ من الدولة، وذلك لتنفيذ مهمّتين عنوانهما، وفقاً لزعمهم: مقاومة إسرائيل ومحاربة الإرهاب. لكنهم أجازوا لأنفسهم، منفردين، سوء استعمال مضمون هذين الزعمَين، وجعلوهما بمثابة تصريحٍ وتسهيل مرور على كل المعابر الشرعية وغير الشرعية المؤدية إلى كل المرافق، والملفات الدستورية والسياسية، والأمنية، والاقتصادية،  والقضائية،السياحية، والمالية، والاجتماعية في الدولة للتحكم بمساراتها، وفقاً لخارطة طريق رسموها بأنفسهم لأنفسهم وللّبنانيين، حيث خصّونا بدورٍ هادفٍ ومحدود يُمنع علينا رفضه، وهو أن نكون، نحن ومن هم في السلطة، غطاءً مبرراً لكل مظاهرهم، وشعاراتهم، واستراتيجيّاتهم الداخلية والإقليمية. وإذا أردنا، مضطرين، الخروج من لعب هذا الدور يتهموننا بالهروب من تحمل المسؤولية.

كيف يريدوننا القبول برمي كل أثقالهم على كاهلنا، ومشاركتهم في تحمّل مسؤولية لا علاقة لنا بها، كونها نتيجة خياراتهم وقراراتهم المتفردة، ونتيجةً لصدى خطاباتهم عالية الصوت والنبرة، ونتيجة حروبهم الداخلية والخارجية، وحيث لم نؤيد منها في حينه إلا مقاومة العدو الصهيوني. ونذكر هنا أنه كان لنا، وما نزال، شرف النضال والوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني. أما ما تبقى من حملات وجولات قتالية قاموا بها والموجّهة لتعويم أنظمة إقليمية، فكلّها كانت عبئاً منهكاً للدولة اللبنانية ولنا.

إننا نعي، كما يعي المواطنون جميعاً، أنه أثناء تصويبهم على أهدافهم الداخلية والإقليمية إنما أصابوا الاقتصاد الوطني في مقتل، والسياحة في جبينها، والدولة في كيانها، والجيش في قدراته واستراتيجيته الدفاعية. كما أصابوا الطائف في روحيته، والمساعدات الدولية في مصادرها، إضافةً إلى إصابة بعض الملفات المتفرقة نتيجة رصاصهم الطائش في أكثر من مناسبةٍ وموقف.

لا تستطيع أي دولة، أو أي شعب، تحمّل كل هذه الأعباء والتبعات، خاصةً وأنه لم تتم مشاورتنا كشركاء في هذا الوطن عندما كانوا يخطّطون ويقرّرون خوض غمار خياراتهم المحمّلة بالأعباء والأثقال. فلماذا يزجّوا بنا الآن في خضم تحمّل مسؤوليات أكبر من حجمنا، وخارج تبعات دورنا. ولماذا، إذا كانوا عادلين، لا يأبهون لصوت أكثرية الشعب اللبناني اليوم، وهو المحبط والمصدوم، ولا ينحازون إلى الوقوف بجانبه لتحقيق مطالبه المحقّة، وهي ذاتها مطالب وحقوق كل مواطن لبناني من بيئتهم، كما من كل بيئة.

حان الوقت لنتبادل المشاركة المتوازنة والعادلة، إذا كانوا جادين، في إعادة بناء دولة لبنانية خالية من الفساد، وقادرة ومعافية، لنلتقي وإياهم على الولاء لها.

نطمح إلى يومٍ يكون فيه زمن الوصايات من أي صوب قد ولّى، وننقذ الشعب اللبناني، الذي لطالما ودائماً، يقدّمون أنفسهم له كظاهرة مقاومة فقط، وليس كظاهره سياسية، في كل موقفٍ، ومكانٍ، ومناسبة، خارج حدود ميدان الصراع مع العدو الصهيوني.

فالشعب، على الأقل، لم يُجِز لهم استحضار شخصيتهم العسكرية في الساحات السياسية الداخلية، والمناطق الآهلة، وعلى طاولات الحوار، وفي مجلس الوزراء، وفي الأروقة والكواليس المختلفة.

أُربكنا بما فيه الكفاية، وأُحرجنا أمام معاناة جمهورنا وطلباته المحقة. ولا نستطيع أن نساير، ونسير في الإتجاه المعاكس لتاريخنا النضالي الطويل. وبالتالي خيار الناس الصائب والحكيم هو خيارنا.