منبتٌ للنساء والرجال... عندما يُختزَل تهميش المرأة بكلمة!

غنوة غازي |

كافأت جريدة النهار بعددها الصادر اليوم نساء لبنان الثائرات بإصدارها ملحقاً خاصاً تحت عنوان "نهاركِ"، تصدّر صفحاته نص المقطع الأول من النشيد الوطني اللبناني بالخط الأسود، لتتوسّطه باللون الأحمر القاني - لفتاً للأنظار - عبارة "منبتٌ للنساء والرجال" عوضاً عن عبارة "منبتٌ للرجال" (كما هو واضح في الصورة).

وقد يظنّ متصفحو الملحق للوهلة الأولى أن مبادرة "النهار" أتت صوريّةً فحسب، لا سيّما ان صفحاته الثمانية عجّت بمجموعة من الصور الصامتة لنساء وشابات الثورة، دون إضافة أي تعليق أو مقال أو دراسة. لكن الحقيقة، أن الصفحة الأولى هذه جاءت أبلغ من أي كلام آخر. فقد اختزلت بكلمة واحدة جوهر القضيّة النسوية المطروحة في لبنان منذ عقود خلت، والتي برزت بشكل لافت إبان الثورة الأخيرة.

وبغضّ النظر عمّا يمكن أن يرسو عليه الخيار في حال التوافق الوطني على تعديل النشيد، أكان اعتماد عبارة "منبتٌ للنساء والرجال"، "منبتٌ للأجيال"، منبتٌ للآمال، أو غير ذلك من مقترحات جندرية تتوخّى إسقاط هذا الإلغاء المتعمّد للمرأة اللبنانية من النشيد الوطني للبلاد، وبغضّ النظر عن أهمية هذه الخطوة التي قد تبدو رمزية أو ربما سطحية بنظر البعض، مقارنةً بقضايا أشد إيلاماً تُطرح على الساحة الوطنية والنسوية اليوم، يمكن القول أن ملحق "نهاركِ" تخطّى المكافأة ليدقّ على وترٍ أعمق في قضية تهميش المرأة في لبنان.

فنساء لبنان موجودات منذ الأزل وما زِلْن. أمّهات نعم. مربّيات للأجيال نعم. ثائرات نعم. رائدات في هذه الثورة تحديداً نعم وألف نعم. وهذه الريادة إن دلّت فعلى تطوّر الوعي لدى شريحة النساء تحديداً وبصورة مكبّرة للقلب. فنساء لبنان أثبتْنَ في هذه الثورة عمق حرّيتهنّ، إذ مارسْن فعل انتقامٍ وطني لمستقبل بناتهن وأبنائهنّ، فعل انتقامٍ من الفساد والمفسدين، ومن الظلم والظالمين، والتهميش والمهمّشين!

وكأن نساء لبنان في ساحات الثورة صرخْن بملأى الحناجر في وجه هؤلاء: هنا نحن، تيك بناتنا، وأؤلئك أبناؤنا، وذاك فكرُنا وتلك تربيتُنا. هنا نحن، وها هي صدورنا تفترش السماء والأرض دروعاً بشريةً للتغيير الآتي .. هنا نحن، وها هي أصواتنا تملأ العالم والدنيا وعياً وثقافةً وحبّاً وفرحاً وإباء وعنفوان.. هنا نحن، وها هي أيادينا تلبّي النداء لرسم مستقبل أفضل للبنان بالشراكة مع كل مع الشرفاء.. هنا نحن، وها هي طاقاتنا وإمكانياتنا، فاحذروا غضبنا!

نعم ليحذر جميع من هم في مواقع المسؤولية والقرار اليوم غضب النساء، فقضيتهنّ أبعد من عبارة في نشيد. قضيّتهنّ قضيّة وجود، قضيّة اعتراف بهذا الوجود وبالقدرة والإمكانية الكامنة خلف هذا الوجود، وقضيّة ترجمة ملموسة بالشراكة الفعلية والإقرار العملاني بأن لبنان إذا لن يشهد بالفعل تشابكاً متساوياً في السواعد والأيدي والعقول بين بناته وأبنائه، بين نسائه ورجاله، لن يطول بقاؤه منبتاً للأجيال، لا نساءً ولا رجال!