ماذا بعد؟

وسام القاضي |

قبل السابع عشر من تشرين الأول 2019، كان الإحباط واليأس يتملّكان مشاعر المواطن اللبناني الذي وصل إلى قناعة تامة تتلخص بالقبول بالرضى والتسليم في الحياة في لبنان كما هي. مزرعةٌ تسودها الفوضى المنظّمة بين القبائل، أو الحل الآخر بالهجرة النهائية من لبنان. ولم يكن أحدٌ يتوقّع أن تسعة أشهر من عمر الحكومة المستقيلة كانت كافية لثورةٍ وحّدت اللبنانيين تحت مظلة العلم اللبناني لا غير، فخرجت الناس من ملاجئها المذهبية التي كانت تحتمي فيها كضمانةٍ لها في ظل غياب الدولة ككيانٍ يحمي مواطنيه. والحماية هنا ليست فقط بمعناها الأمني، بل المعيشي، والوظيفي، والصحي، وكل ما يتصل بمتطلبات الحياة.

كان الجو العام السائد منذ انطلاقة الحكومة يوحي بأنها باقيةٌ لغاية الانتخابات النيابية، أو الرئاسية، اللتان تتصادفان في نفس الفترة، وخاصةً أن هذه الحكومة، ووفق الأكذوبة الكبرى "التوافق"، تتحكّم بمسار إدارة الدولة. والتوافق هو عملياً منطق توزيع الحصص، ولا يهدف إلى تقوية الدولة. وإذا عدنا بالذاكرة إلى تأخير تشكيل الحكومة المستقيلة، فقد كانت العقبة تتمحور حول التمثيل ونوع الوزارة، وبالطبع في غياب مقولة الشخص المناسب في المكان المناسب.

كان الغطاء الفعلي للحكومة، أو مظلّتها، هو التسوية الرئاسية. فحزب اللّه أراد منها أن تكون الغطاء السياسي لتدخلاته في المنطقة، وجدار حماية في مواجهة الحصار الغربي عليه. أما التيار العوني فأراد بسط سيطرته الكاملة على إدارات الدولة، والتحضير لتوريث جبران باسيل سدّة الرئاسة الأولى. وطبيعيٌ أن يُكبَّل رئيس الحكومة سعد الحريري بهذه الكماشة عليه، وحاول بشتى الوسائل اختراق الطوق، لكن كل محاولاته باءت بالفشل كون أطماع جبران باسيل لا حدود لها. وهذه الأطماع محصّنة بمظلة حزب الله الذي تبقى عينه على صون منظومة الممانعة، والتي تشكّل إيران مركزها الثابت.

أما وقد كُسِر حاجز الخوف في لبنان، وكان عنصر الشباب الوقود الأساسي لهذه الثورة على امتداد الوطن. وبالرغم من تحذيرات أمين عام حزب اللّه بأنهم قادرون على حسم الوضع في كل لبنان، إلّا أن عزيمة المتظاهرين كانت بالمرصاد من خلال الشعارات المحقة التي رُفعت في وجه السلطة الحاكمة، وبقي الجيش والقوى الأمنية على مسافةٍ بين السلطة والمتظاهرين، وذلك من خلال صون الدستور الذي يعطي الحق للمواطن بالتظاهر.

وبعد الإستقالة كان لا بدّ من قراءاتٍ متأنية للمتغيرات التي حصلت. فالإنتفاضة شملت المناطق التي كان يتمتع التيار العوني فيها بمدٍ شعبي فيها. وخرجت أصواتٌ معارضة من البيئة الحاضنة لحزب الله، وهذا يشير إلى تغيُّر المزاج الشعبي نتيجة الأوضاع المعيشية والحياتية التي يعيشها الشعب اللبناني على امتداد الوطن، والتي أوصلته إلى حالة اليأس.

إن الحلول لن تأتي إذا استمرّ من يُمسك بالسلطة، ومن يغطيه بالذهنية التي تمّ التعاطي بها في السنوات الثلاث المنصرمة. إن الضمانة لحزب الله لن تأتي بعد الآن من خلال تولي مسؤولي التيار العوني السلطة. الضمانة تأتي فقط من خلال سلطةٍ تحظى بالثقة الشعبية. ويجب على قيادة حزب الله أن تدرك ما يسبّبه ظهور أصحاب القمصان السود في الشوارع من مردود سلبي شعبي عليه، وعلى قدرته تشكيل حكومة تكنوقراط لا تكون معادية له. والساحة اللبنانية تتسع للجميع، ولا يستطيع أي طرفٍ إلغاء الآخر، وتاريخ لبنان القديم والحديث خير دليلٍ على ذلك.

إن الضمانة لحزب الله يجب أن تكون من خلال الطمأنينة والهدوء اللذان يجب أن ينعم بهما المواطن اللبناني بالعيش الكريم في دولةٍ تتمتع بكامل موجبات الدولة، وحيث لا توجد هيمنة على قراراتنا، وحيث تكون الكفاءة والسيرة الحسنة بطاقة تعريفٍ للتوظيف الإداري في مؤسّسات الدولة، وليس كما تعاطت فيها السلطة المتمثلة بالتيار العوني.

إن هذه الثورة هي ثورة اجتماعية بامتياز، ومن المعيب محاولة الإيهام بوضعها في سكة المؤامرات الخارجية لأغراضٍ سياسية. لقد خرج المارد من القمقم، ولم يعد في الإمكان إعادته إلى القمقم. وبالطبع المارد هو شعب الثورة.

* رئيس جمعية كمال جنبلاط الفكرية