لو يستمعوا إلى كمال جنبلاط!

الأنباء |

أقرّ البعض أو لم يُقر، وتجاهل البعض الآخر أو اعترف. وسواءً أنكر أولئك الذين تآمروا وغدروا به أو لم ينكروا، فكمال جنبلاط هو بالتحديد الذي كان وما زال الأكثر حضوراً  في وجدان المنتفضين، وشعاراتهم، وهتافاتهم، من أعالي الشمال حتى أقاصي الجنوب، مروراً ببلاد الحرف جبيل، والبترون، وساحل كسروان، والمتن الشمالي، وبيروت وساحاتها، صعوداً إلى الجبل بإقليمه، وشوفه، وعاليهِ وجردها، ومتنه الأعلى، ودخولاً إلى البقاع، وشماله، وأوسطه، وبقاعه الغربي.

 نعم. كمال جنبلاط الذي شبّههُ الشاعر الجنوبي شوقي بزيغ بالقدّيسين الذين لا يتخثّر دمهم،  ودعاه،  "أبا المساكين ارجع، نحن ننتظر". وأعاد طيفه مارسيل خليفة بأغانيه إلى ساحات الشمال والجنوب في كفررمان والنبطية؛ وذكّر به أحد الأسرى المحرّرين من السجون الإسرائيلية على صفحته "الفيسبوكية" حين كتب، "ما زال فكر كمال جنبلاط  أكبر حزبٍ في لبنان من الناقورة إلى العاقورة".  كمال جنبلاط الحاضر في شعارات المطالِبين ب "هدم جدران الطوائف"، و"لبنان الدولة المدنية والعلمانية"، وإعادة إنتاج السلطة على أساس قانونٍ انتخابي نسبي خارج  القيد الطائفي، ولبنان دائرة انتخابية واحدة. 

 نعم، كمال جنبلاط الحاضر ببرنامج الإصلاح المرحلي للأحزاب والقوى الوطنية والتقدمية، هذا البرنامج الذي وصفه إدمون ربّاط  البروفيسور بعلوم القانون، والقانون الدستوري على وجه الخصوص، بأنه أفضل وأنسب ما وُضع من برامج وقوانين تناسب لبنان بتعقيداته وتعدّد مكوّناته. هذا البرنامج الذي كتب عنه بحسرة  كمال جنبلاط في "هذه وصيتي": لو قرأه، وتمعّن به المسيحيون كما المسلمون، لسلم لبنان، واطمأن اللبنانيون على مستقبل أبنائهم. لكن، وللأسف يبدو أن إغراء الامتيازات الطائفية أعمى بصائر قادة المسيحيين في الماضي، فساهموا في تحويل فرصة الإصلاح التاريخية في بداية السبعينات من القرن الماضي إلى صراع أهلي وحربٍ أهلية. وذلك، بحسب كمال جنبلاط، على غرار ما فعله الإقطاع الدرزي في منتصف القرن التاسع عشر، أيام ثورة الفلاحين، وما نتج عنه من فتنٍ طائفية في 1840 و1860.

نعم، الآن توجد فرصةٌ تاريخية نادرة لإصلاحٍ ثوريٍ كبير في تركيبة الفيدرالية الطائفية، والتي أوجدها هذا الحراك  الوطني غير المسبوق، بعبوره مختلف الطوائف والمناطق والأحزاب.

نعم، الفرصة موجودة. لكن دون تحقّقها تحدياتٌ كثيرة. وأهم هذه التحديات معاندة ما يسمى "العهد القوي" الذي يبدو أنه مستمرٌ في تكرار الممانعة التي أبداها الزعماء المسيحيّون في سبعينيات القرن الماضي، والذين كانوا يبرّرون ممانعتهم للإصلاح بمشروعيةٍ أكبر من مشروعية العهد الحالي، وهي "امتيازات الطائفة" وهي التي استعانوا لحمايتها والاحتفاظ بها أولاً بسوريا، ومن ثمّ بإسرائيل.

 أما اليوم، وبعد أربعين عاماً، يبدو بأن " العهد القوي" الذي يرفع شعار حقوق المسيحيين شكلاً، وفعلياً يعاند من أجل الاحتفاظ، ليس بامتياز، بل بمصلحة جماعةٍ، وعائلةٍ، وحتى بموقع صهر العائلة؛ وذلك بعد أن باع من أجل أن يتربع على عرش السلطة كل ما كان يرفعه من شعارات، وها هو الآن يستعين بولاية الفقيه، والنظام السوري. وحتى أنه مستعدٌ للاستعانة بإسرائيل، أو أيٍ كان، للبقاء في السلطة، والحفاظ على مصالح العائلة التي يرفعها فعلياً فوق مصالح الناس والوطن.

هذا هو التحدي الأساسي الآن، والذي يكمن بمدى استجابة هذا العهد، ومن يقف خلفه ويدعمه،  للإرادة الشعبية الوطنية وديناميتها، وتماسكها، على مدى أسبوعين، وتسهيل الإتيان بحكومةٍ تعكس هذه الإرادة الوطنية الجامعة التي ظلّ كمال جنبلاط طوال حياته السياسية يراهن على تشكّلها، وعلى دورها في إحداث التغيير الذي يناسب الخصوصية اللبنانية واللبنانيين.

أما التحدي الأول بالنسبة للأحزاب التي سبقتها جماهيرها إلى الساحات، وبعد أن تبيّن من خلال الانتفاضة المدنية الوطنية العارمة أن هناك خللٌ  يعتري علاقة هذه الأحزاب بجماهيرها، فإنني لا أرى أي إصلاحٍ لهذا الخلل، ولا سيّما بالنسبة للحزب التقدمي الاشتراكي، إلا باستعادة نهج، وسلوك، ومبادئ كمال جنبلاط وروحيّته المتجلية في الساحات.