في اللحظات المفصلية: كي لا يتحوّل لبنان إلى حلبة مجدداً!

30 تشرين الأول 2019 16:15:00 - آخر تحديث: 30 تشرين الأول 2019 17:06:14

لا شك أن استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري أدخلت البلاد في منعطف جديد على ضوء الثورة الشعبية التي انطلقت في السابع عشر من تشرين الأول الجاري، وهي أتت على خلفية ضغوط شعبية وسياسية من مختلف الاتجاهات وتحققت بعد انتظار الشارع لها أكثر من 12 يوماً.

ولا شك أيضاً أن مرحلة ما بعد الاستقالة هي الأكثر تعقيداً وحساسية. فالمرحلة الانتقالية، إذا صح التعبير، هي صعبة لأنها تكشف النوايا الحقيقية لكل الأطراف السياسية وقرار تلك القوى بكيفية التعاطي مع الحقبة الجديدة.

صحيحٌ أن المطالب الشعبية طالبت برحيل الطبقة السياسية بالكامل ورفعت شعار "كلّن يعني كلّن"، وصحيح أن فئة واسعة من الشعب اللبناني الذي نزل إلى الشوارع ستنظر إلى استقالة الحريري على أنها تصب في إطار تحقيق هذا الهدف؛ ولكن الصحيح أيضاً أن طبيعة التكوين السياسي اللبناني لا تماثل الأنظمة "الديموقراطية" الأخرى، إذا صح التعبير.

فما يُصطلح على تسميته "الديموقراطية اللبنانية" لها خصوصيتها ووظيفتها وموقعها وتجربتها التي شهدت صعوداً وهبوطاً في الكثير من الحقبات، قد تكون نجحت في بعضها واخفقت في البعض الآخر بفعل الصبغة واللوثة الطائفية والمذهبية التي تضرب النظام من جذوره وفي أعماقه.

وبالتالي، التحدي الأكبر يكمن اليوم في كيفية التوفيق بين المطالب الشعبية المشروعة وضرورة إحداث التغيير المرتجى، وبين موازين القوى القائمة راهناً، سواء بفعل طبيعة النظام السياسي أو بفعل عناصر خارجية وداخلية أخرى تراكمت مع الوقت وأتاحت لاطراف معينة أن تتقدم بحضورها ونفوذها الواسع على أكثر من صعيد.
ولأن النظام اللبناني لا يماثل الأنظمة الديكتاتورية العربية التي تساقطت الواحد تلو الآخر بسبب تركيبتها العمودية، بل من حيث انتشار مواقع القوى والنفوذ أفقياً بين القوى الطائفية والمذهبية والسياسية، فذلك يجعل شعار إسقاط النظام مستحيل التطبيق عملياً سوى من خلال عملية انتخابية وسياسية متكاملة المفاصل، وإلا سيفتح ذلك المخاطر بشكل كبير أمام من قد يرغب بالتقاط اللحظة التاريخية للانقضاض على الصيغة الراهنة.

لذلك، من الضروري جداً أن تعي الحركة الثورية وكل مكوناتها أن إدارة المرحلة الانتقالية يفترض ألا تتمّ على انقاض النظام السياسي الراهن بشكل فوري (لاستحالة حدوث ذلك من دون خسائر كبرى وليس تمسكاً به)، بل أن توفر الظروف السياسية واللوجستية الملائمة لتحقيق انتقال سلس، من خلال الاستفادة من اللحظة التاريخية التي تتيح النفاذ نحو قانون انتخاب جديد على أساس لاطائفي يعتمد لبنان دائرة انتخابية واحدة.

عندئذ يمكن فعلاً أن يتحقق المطلب التاريخي المزمن المتمثل بتجاوز النظام اللبناني الراهن لحالة الطائفية السياسية وتحقيق المساواة بين المواطنين اللبنانيين بمعزل عن انتماءاتهم الطائفية والمذهبية.

لا شك أن التحديات كبيرة جداً والصعوبات جمة وإمكانية استفادة بعض المحاور الإقليمية من هذه اللحظة الإنتقالية اللبنانية لضم لبنان إليها هي أكثر العناوين تعقيداً وصعوبة ما يتطلب يقظة كبيرة لأن لبنان أضعف من أن يتحمل تبعات إستلحاقه في أي من المحاور أو أن يدفع أثمان صراعاتها ونزاعاتها كي لا يكون الحلبة مجدداً!