ماذا دار في مساعي ربع الساعة الأخير قبل الاستقالة... والصدمة في بعبدا؟

ربيع سرجون |

اتخذ الرئيس سعد الحريري خطوته الجريئة. حمل البلاد على كتفيه، وقرّر الإستقالة لتنفيس الإحتقان في الشارع، ولإحداث صدمة إيجابية كما قال، ولتقديم ما يجب تقديمه للناس المنتفضة منذ ثلاثة عشر يوماً. وحده مع وليد جنبلاط كانا يبحثان عن حلٍ منطقي ومعقول يرضي الشارع، ويحفظ وحدة البلاد ومصلحة العباد، ويُظهر حسن اهتمامٍ بالمواطنين ومطالبهم. لكن مساعي الحريري اصطدمت بتعنّت الوزير جبران باسيل، الذي رفض كل صيغ الحل التي طُرحت. أراد باسيل الحفاظ على الحكومة بأي ثمن، والرهان على الوقت لخروج الناس من الشارع بعد تعبها، كما راهن على الحلول الأمنية التي رفضها الحريري وجنبلاط معاً.

كل ما أراده باسيل هو الحفاظ على هذه للحكومة، وعلى ثلثه المعطّل فيها، والذي جعله وزيراً حاكماً بأمره مستحكماً بالحكومة وبقراراتها. فرفض التعديل الوزاري الذي يشمله، وأراد أن يستثنيه. كما رفض حكومة التكنوقراط، واشترط أن يبقى وزيراً ثابتاً في الحكومة الجديدة. أصرّ باسيل على موقفه، ولم يقدّم أي تنازل، ما دفع الحريري إلى اتخاذ قراره الذي، حكماً، أسقط التسوية الرئاسية ومفاعليها، مع العلم أنه ليس الحريري هو من أسقط التسوية، إنما تصرفات باسيل، وإصرار رئيس الجمهورية على ربط بقاء الحريري رئيساً للحكومة مقابل بقاء باسيل وزيراً فيها، وهو الأمر الذي يمثّل خروجاً على التسوية، لأنها كانت تنصّ على ترئيس عون مقابل تولي الحريري رئاسة مجلس الوزراء.

أبلغ الحريري بعض القوى بأنه لم يعد يحتمل تصرفات باسيل، ولذلك قرّر الإستقالة التي أحدثت إرباكاً في بعبدا، على الرغم من أن رئيس الحكومة المستقيل كان قد بعث برسالة عبر قنوات التواصل للإبلاغ عن توجّهه. لكن باسيل تعاطى مع رسالة الحريري بعدم جدية، بخلاف السرعة التي تحرّك بها الرئيس نبيه برّي لإيجاد الحل المناسب، والبحث عن توافقٍ سريعٍ لتجنّب الوقوع في الفراغ.

الصدمة في بعبدا انعكست بسيلٍ من المواقف الهجومية على الحريري، وصولاً إلى حدّ اتّهامه بأن استقالته قد وضعت البلد في المجهول، وهذا أمرٌ عادي بالنسبة إلى التيار الوطني الحرّ الذي يستسهل تحميل المسؤوليات لغيره، خصوصاً عندما يكون هو المسبّب بالأزمات.

وعليه دخلت البلاد مرحلة جديدة ودقيقة، والتي تحتاج إلى رفع مستوى المسؤوليات في التعاطي، ومقاربة الأمور، بعيداً عن الشخصانية والمصالح الشخصية التي لا يعترف بغيرها البعض. وهنا ثمة ثلاثة سيناريوهات لمرحلة ما بعد الإستقالة. أولاً، الاتفاق على إعادة تكليف الحريري. ثانياً، الذهاب إلى التوافق على شخصية توافقية مقبولة من الناس، ومن المجتمع الدولي، وتشكيل حكومة من تكنوقراط، ومطعّمة بسياسيين، بشرط أن لا يكون باسيل وزيراً فيها. والاحتمال الثالث هو أن يلجأ حزب الله وعون إلى تكليف شخصيةٍ محسوبةٍ عليهما بشكل كامل، أي من قوى 8 آذار، ولكن هذا الحل سيؤدي إلى مشروع مواجهة سياسية في لبنان والخارج.