فلنؤسس لهذه المرحلة... والا فعلى لبنان السلام!

أنور ضو |

من مرتكزات النظام الديمقراطي فصل السلطات وتوازنها. وفي هذا الإطار، تنشأ أكثرية تحكم وأقلية تعارض، ويتولّى مجلس النواب مراقبة عمل الحكومة وتصحيح مسارها إلى جانب دوره التشريعي.

فهل هذا ما يحصل عندنا في لبنان؟

الجواب طبعاً هو النفي، إذ أن الممارسة الديمقراطية بعد الطائف قد أُفرغت من محتواها تحت عنوانٍ واهٍ ومستحدث إسمه: الديمقراطية التوافقية.

فتحت هذا العنوان دخلت غالبية الكتل النيابية إلى جنة الحكم، وضاعت الحدود بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وصار الذي يشرع هو الذي يحكم، وهو الذي يراقب نفسه. ونتيجةً لذلك صارت القوانين غب الطلب، وانعدمت الرقابة التي أوكل الشعب مهمتها إلى ممثليه الشرعيين، ولم يعد لدينا من الديمقراطية إلا الإسم والشكل. وإمعاناً  في اغتيال آخر نسائم الديمقراطية ابتدع ورثة الوصاية، ومن يحتمي بهم، بدعة الثلث المعطّل لتبقى الحكومات رهينة مشيئتهم فيسقطونها فيما رئيسها يهم بدخول البيت الأبيض، أو يعطلون تأليفها لمدة تسعة أشهر  حتى يُؤمِّن الطامح إلى الرئاسة هيمنته الكاملة عليها، بعد أن فرض سيطرته على وزرائه بوضع استقالاتهم في جيبه قبل الدخول إلى الحكومة. 

نتيجة لذلك، توقفت مصالح البلاد والعباد عند رغبة القابض على الثلث المعطّل وحماته، وصارت القرارات الحكومية خاضعة لمزاجيته ورغباته وأهوائه الطائفية، وصار ناطقاً باسم الرئاسة، وقابضاً على جدول أعمال مجلس الوزراء، وحائلاً دون إقرار أي بند لا يرضي طموحاته الرئاسية أو نزعاته الطائفية، فيما مجلس النواب الذي هو صورة مكبّرة عن الحكومة غائب عن المراقبة، وغارق في النزاعات، بل يتبنى معظم أعضائه مواقف ممثليهم في الحكومة، وأحياناً يناقضونها من أجل الكسب الشعبي، لاسيما حين تكون جلسات المجلس علنية ومنقولة عبر وسائل الإعلام.

بديهي في هذه الحالة أن يصبح الحكام في واد والشعب ومشاكله وقضاياه في وادٍ آخر، وأن ينخر الفساد جسد الدولة والمجتمع، وأن يتهاوى الاقتصاد، ويتراجع النمو، وتنعدم فرص العمل، وتتدنّى قيمة العملةالوطنية، وتتردّى الأوضاع المعيشية حتى تلامس عتبة الجوع عند فئاتٍ واسعة من المواطنين.

وبديهي أيضاً أن يخرج الجياع إلى الساحات "شاهرين سيفهم على الناس" يمارسون حقهم الديمقراطي في التعبير، وفي الرقابة على عمل العهد والحكومة، بعد أن تقاعس ممثلوهم عن القيام بهذا الدور.

إن العودة إلى الديمقراطية الحقيقية لا التوافقية، وتشكيل حكومة تكنوقراط، وانتخاب مجلس نيابي جديد وفق قانون متحررٍ من القيد الطائفي، وإنشاء مجلس الشيوخ، وفصل النيابة عن الوزارة من ضمن مبدأ فصل السلطات وتوازنها، ومنع التدخل في عمل السلطة القضائية وإطلاق يدها في محاسبة الفاسدين وإعادة الأموال المنهوبة، من شأنها أن تعيد التوازن الى الحياة الدستورية، وتؤسس لمرحلة من الاستقرار، على ان ترافقها تشريعات اقتصادية لمصلحة الفئات الشعبية، وفي طليعتها الضريبة الموحدة التصاعدية، مما يعيد الحياة إلى الطبقة الوسطى، صمام أمان المجتمع، وإلّا فعلى لبنان والدنيا السلام.