عن رفع السرية المصرفية: كي لا تتحول إلى مهزلة!

المحامية سوزان إسماعيل |

إعتمد لبنان السرية المصرفية بموجب القانون الصادر في 3 أيلول 1956، مع وجود المادة 579 من قانون العقوبات اللبناني، والتي تعاقب على إفشاء الأسرار من قبل الأشخاص الذين يعلمون بها بحكم وظيفتهم، أو مهنتهم.

وقد نصّ هذا القانون على ما يلي:

تُلزم المصارف الخاضعة لأحكام السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي، سواءً في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواءً كانت قضائية، إدارية، أو مالية إلّا في حالاتٍ معينة في القانون، والتي وردت على صعيد الحصر، وهي:

1- إذن العميل، أو ورثته خطياً.
2- صدور حكم بإشهار إفلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية.
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. المادة 7 من قانون السرية المصرفية .
5- توقّف المصرف عن الدفع.
6- الاشتباه باستخدام الأموال بغية تبييضها، وذلك بقرارٍ من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائيىة المختصة، والهيئة المصرفية العليا، وفقاً للفقرة الثانية من البند 4 من المادة 6 من قانون رقم 318 /2001، والمتعلق بمكافحة تبييض الأموال.

بعد عرضنا للنصوص القانونية أعلاه، يتبيّن أن ادّعاء بعض السياسيين بأنهم سوف يقومون برفع السرية المصرفية عن حساباتهم المالية في المصارف والبنوك، لهو مهزلةٌ فعلية، وتضليلٌ للرأي العام ما بعده تضليل، وذلك للأسباب التالية:

إن رفع السرية المصرفية كما بيّناه أعلاه يتطلب موافقة صاحب العلاقة، بإذنٍ خطي يُسمح بموجبه للمؤسسة المصرفية، أو البنك، برفع السرية عن رقم حسابٍ محددٍ من قِبله دون آخر. وإذا افترضنا أن طالب الرفع قد حدّد كامل أرقام حساباته بموجب الإذن، لا يستطيع البنك إلّا رفع السرية عن هذه الحسابات فقط، دون الحسابات التي تكون باسم شركاتٍ تابعةٍ له، أو لأحد معاونيه، أو أقربائه، أو سنداتٍ لحامله، أو أن يكون له حساب رقمي لا يعرف به إلّا مدير البنك المتعامل معه. وبالعادة فإن كبار رجال الأعمال والسياسيين لا يفتحون حساباتٍ مصرفية إلّا في بنوك لها علاقة وثيقة بمجالس إدارتها، إما سياسياً، أو اجتماعياً، أو  يملكونها بكاملها، أو جزء منها. 

أضف إلى ذلك، هل السرية المصرفية تطال الأسهم المتداولة في البورصات العالمية، والشركات الكبيرة، وحساباتهم الرقمية في المصارف الموجودة في الخارج، وخاصةً سويسرا وفرنسا مثلا؟ 

حتى في لبنان، هل رفعُ السرية المصرفية يطال ما تمّ شراءه بموجب وكالاتٍ غير قابلة للعزل، والصناديق، والمقتنيات الذهبية، وغيرها الموضوعة في صناديق في البنوك والمصارف.

لذلك، إن تقدّم أي من السياسيين أمام الرأي العام بطلب لرفع السرية المصرفية يشكّل مناورةً على سبيل الدعاية والإعلان، وبالتالي لا يشكّل براءة الذمة التي يتوخاها من خلال طلبه هذا، والتي يبرزها أمام الجمهور. وإن من يفعل ذلك، وضمن السياق الذي شرحناه أعلاه، يكون فعلاً متورطاً بأموالٍ مشبوهة، وبحاجة لتبرئة نفسه أمام الرأي العام. 

(*) مفوضة العدل والتشريع في الحزب التقدمي الإشتراكي