إلى الشباب المنتفضين.. ادفنوا الماضي وأشباحه

بسام سامي ضو |

تأخرتُ في الإعلان عن الفرحة بما يشهده لبنان منذ أكثر من عشرة أيام، في محاولةٍ مني لتجنيب ذاتي صدمةً عشتها ذات 14 آذار 2005، يوم انتفض معظم اللبنانيين على واقعٍ تكرّس بالدم والخوف والاغتيالات والترهيب وعسس المخابرات، فهبّوا من دون إيعازٍ مسبق من مرجعيتهم الحزبية- المذهبية، بل فاجأوا هؤلاء بحركتهم العفوية التي أزكتها دماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه الشهداء من المدنيين، فأزالوا حواجز الخوف الواهية الفاصلة بينهم، للمرة الأولى منذ حروب، واجتمعوا في ساحةٍ واحدة، حول موقف واحد ومطلب موحد تحقق، بالرغم من معارضة شارع لبناني وازن.. يومها شعرت كأن "الشعب" استعاد ذاته، وعاد فأمسك بزمام قدرته على فرض إرادته وعلى رسم مسار الحياة كما يريدها، متى أراد.. ولكن نهر التغيير الهادر تشتت في مسارب الزواريب الطائفية الضيقة، إذ سرعان ما استعاد "أولياء" الأمور موقعهم، وقد وحدتهم "مصيبة" وحدة اللبنانيين، فأعادوا وضع الأمور بمسارها السابق، ولعله أحد أبرز عوامل اندثار تلك الانتفاضة التغييرية.

في الأيام الأولى للانتفاضة الأخيرة، بدت الأمور متقاربة، وبدا اللبناني يعيش تلك الحالة من الانفصام التي تجعله متردداً: كيف أنتفض على الزعيم الذي لا يمكنني الاستغناء عن "خدماته"، هو الذي يؤمّن لي السرير في المستشفى، والواسطة اللازمة لتوظيف ابني، والمازوت للتدفئة في الشتاء؟ لكن الأيام بيّنت حقيقة أخرى: المنتفضون ما عادوا قادرين على تحمّل المزيد من الوجع.. وغالبيتهم من جيل الشباب، هذا الجيل الذي لا يزال يدفع ضرائب حروب خاضها آباؤهم ولم تفضِ إلى شيء، وضرائب الدفاع الأعمى عن المرجعية، سارقاً كان أم مظلوماً، وضرائب اعتماد الخطاب المذهبي جهراً وعهراً لتكريس الشرخ الطائفي بين "المواطنين". هم الشباب المقهورون الذين يرون أقرانهم ناجحين ومبدعين متى أتيحت لهم الفرصة في الخارج، فيما هم مجرد أرقام في لائحة الناخبين- التابعين إلى أبد الآبدين.. هم المواكبون لتلك الثورات العلمية الهائلة التي سبقتنا إليها شعوبٌ بعيدة وقريبة بآلاف السنين، ويصرّ المسؤولون عندنا على تخييرهم بين حسنات بواخر الفيول وسيئات معامل الذوق، وبين فوضى الاشتراك الشهري بمولد الكهرباء ونعيم العدّاد! هم إياهم الذي غمرت شوارعهم وعاصمتهم وجبالهم وأنهارهم النفايات، ولا يزال وزراؤهم وجهابذة البئية حائرين في أيّهم الأفضل: المطامر أم المحارق؟ فيما نراهم، أي المنتفضين، نساءّ وشباباً وأطفالاً ورجال أعمال وعاطلين عن العمل، يجمعون النفايات من الساحات ويقومون بفرزها.. هم الذين يفرشون العالم أمامهم ويواكبون أصغر تفاصيله بكبسة زر، فيما يقبع مسؤول في قصره المسوّر بالخوف، محاطاً بمستشارين غارقين في أحقاد الماضي وتخلفهم، فيطل داعياً الشباب إلى تشكيل لجان لعرض مشاكلهم التي بات القاصي والداني يعرفها، ويتحفهم آخر بإطلالة من غياهب سرداب، مع خلفية "نيولوك"، ناصحاً إياهم بالاستجابة إلى دعوة الأول! ويتردد ثالث في إجراء تعديلاتٍ عملية تمتص في المرحلة الأولى فورة المنتفضين، وقد تؤسس لحوارٍ مستقبلي.

أمام هؤلاء الشباب المنتفضين تحديات، شهدنا بروفة باللون الأسود لأخطرها، وسمعنا من جهة أخرى تأجيجاً لذاكرة حرب لم ينجح بطلها لا في تحرير ولا في إلغاء.. 

يبقى الرهان على حيوية الشباب، وعلى وعيهم لمآسي الماضي، وإيمانهم بدورهم وأهميته، وعلى آمالهم المحقة بمستقبل مشرق لهم ولأبنائهم من بعدهم.. وتبقى العبرة في قدرة المنتفضين على دفن الماضي بما ومن يمثلونه، والمضي في هزّ الكيان القائم، كي لا نبالغ ونأمل في إسقاطه، تمهيداً لتغييره.